محمد بن علي الشوكاني
5092
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
لحفظ النفس والدين مع أنه لم يقع من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إجبار على حفره ، ثم إن ندب الناس لحفر الخندق لفائدة عائدة إليهم ، فهم يقبلون إليه رهبة للعدو ، ورغبة في الجنة ، وأي فائدة لليهود من الإجبار على ذلك ؟ هل الأجرة في التأجير من شأنه الرضى أم الفائدة لنا فيعملون بلا أجرة سخرية مكرهين ، فهل من دليل ؟ قال : الدليل الثالث عشر : [ 16 ] : قد تواترت أدلة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وهما واجبان ، فإذا لم يتم هذا الواجب إلا بإجبار اليهود فما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه . أقول : قد قدمنا لك أن نقل الأزبال إلى الأموال لا فرق بينه وبين نقلها إلى الحمام ، وأنه لم يمنع من ذلك شرع ولا عرف ، وقد رددنا الاستنباطات التي سماها القاضي أدلة كما سمعت ، وقال تعالى : { وأمر بالعرف } ( 1 ) قال السيوطي : قال ابن الغرس : المعنى اقض بكل ما عرفته النفوس مما لم يرده الشرع ، وهذا أصل للقاعدة الفقهية في اعتبار العرف ( 2 ) وتحتها مسائل كثيرة لا تحصى انتهى . فهذا الذي جعله القاضي - كثر الله من فوائده - منكر معروف حسب هذا التقرير . قال : الدليل الرابع عشر : أن حفظ الدين أحد الضرورات ( 3 ) الخمس المعروفة في الأصول . أقول : يستفسر ما أراد بالدين ، فإن أراد بالدين الأركان التي بني الإسلام عليها ، وأنه لا يتم حفظها إلا بمنع المسلمين عن التقاط الأزبال ممنوع ، إذ هي تامة بدون ذلك . وإن أراد بالدين الدين الداخل فيه جميع شعب الإيمان ، ومنها المندوب ، والمسنون فقد أوجبنا عليه حفظ ما ليس بواجب .
--> ( 1 ) [ الأعراف : 199 ] ( 2 ) انظر " الكوكب المنير " ( 4 / 448 ) ومجموع الفتاوى ( 9 / 16 - 17 ) . ( 3 ) تقدم ذكرها .