محمد بن علي الشوكاني
5063
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، اللهم وفقنا إلى أوضح السبيل ، واجعل كتابك المنير لنا خير دليل ، وارزقنا فهم معانيه ، والوقوف عند أوامره ونواهيه ، واللزوم لحدوده ، والثبات عند نصوصه ، والتوقف عند متشابهه ، والتحرز عن القول فيه بالرأي ، وأنه وصل من القاضي القطب الرباني محمد بن علي الشوكاني رسالة ( 1 ) في معنى إجبار اليهود على التقاط الأزبال ، ولقد أجاد وأحسن الانتقاد ، واستخرج بذكائه بنات أفكار كواعب أبكار عز اجتلاؤها على العلماء النظار ، وخفيت محجاتها عن الأبصار . ولقد دل على طول باع ، وكثرة اطلاع ، فلله دره والله دره . ولا شك أن ما ذهب إليه حسن [ 1 ] إلا أنه لم ينحل شكال ذلك الإشكال ، ولم تنفك تكلم الأقفال ، إذ أشكل على بعض من اطلع عليها بعض ما فيها ، وما أسند مقدماته إليها ، فطلب القاضي بيان ذلك من القاضي - حماه الله وكثر من فوائده - لا قصد الجدال ، بل هداية إلى أحسن مثال ، وللاجتماع على ما به حل العقال . قال : الدليل الأول : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ( 2 ) ضرب الله - جل جلاله - لجواز مصالحة الكفار غاية هي إعطاء الجزية ، وقيدها بالجملة الحالية وهي قوله : { وهم صاغرون } إشعارا بأن مجرد إعطاء الجزية غير كاف في جواز الموادعة والمصالحة وحقن الدماء ، وجعلها اسمية تنبيها على دوام الصغار لهم وثباته كما قرره أئمة البيان إلخ . أقول : الجملة الاسمية لا شك أنها تدل على الدوام والثبوت إذا كان خبرها اسما ، لكن إذا وقعت حالا تصير كالشئ المبتدئ به الذي تجدد وقوعه في تلك الحال ، من دون نظر إلى الدوام وعدمه ، ولذا قالوا : إنك تقصد في الحال أن صاحبها كان على هذا
--> ( 1 ) الرسالة رقم ( 166 ) . ( 2 ) [ التوبة : 29 ]