محمد بن علي الشوكاني
5064
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الوصف حال مباشرة الفعل ، فهي قيد للفعل ، وبيان لكيفية وقوعه ، بخلاف النعت ، فإن المقصود بيان حصول هذا الوصف لذات المنعوت من غير نظر إلى كونه مباشرا لفعل أو غير مباشر ، ولهذا جاز أن يقع الأسود والأبيض ، والطويل والقصير ، وما أشبه ذلك من الصفات التي لا انتقال فيها نعتا لا حالا . وأما الدوام فعلا يعتبر هنا ، وإن اعتبر فليس مقصودا أولا وبالذات ، فإن أريد الدوام هنا بالفعل فهو ممتنع ، وإن أريد بالقوة ، فلا نزاع كما سيأتي . قال في دلائل الإعجاز ( 1 ) : إذا قلت : جاء زيد وهو مسرع ، أو وغلامه يسعى بين يديه ، أو وسيفه على كتفه كان المعنى أنك بدأت وأثبت المجيء ، ثم استأنفت خبرًا ، وابتدأت إثباتا ثانيا لما هو مضمون الحال ، ولهذا احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى فجيء بالواو كما جيء بها في نحو : زيد منطلق ، وعمرو ذاهب انتهى . وقال في موضع آخر ( 2 ) : إنك إذا قلت : جاء زيد والسيف على كتفه ، أو خرج التاج عليه فكان كلاما نافرا لا يكاد يقع في الاستعمال ؛ لأنه بمنزلة قولك : جاءني زيد وهو متقلد سيفه ، وخرج وهو لابس التاج في أن المعنى على استئناف كلام ، وابتداء إثبات ، وأنك لم ترد جاءني كذلك ، ولكن جاءني وهو كذلك انتهى . فعرفت من هذا أن المعنى في قوله تعالى : { وهم صاغرون } على استئناف [ 2 ] كلام وابتداء صغار عند إعطاء الجزية من دون نظر إلى الدوام وعدمه ، وهو ما فهمه السلف الماضون - رضي الله عنهم - وفهمه إمام البيان والتفسير الزمخشري ( 3 ) رحمه الله تعالى إذ قال : أي تؤخذ منهم الجزية على الصغار والذل ، وهو أن يأتي بنفسه ماشيا غير
--> ( 1 ) ( ص 214 ) لأبي بكر الجرجاني . ( 2 ) أي الجرجاني في " دلائل الإعجاز " ( ص 202 ) . ( 3 ) في " الكشاف " ( 3 / 32 ) .