محمد بن علي الشوكاني
5050
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
أقول : سلمنا أن الآية واردة على ذلك السبب ، فالذلة لا تختص بفرد معين دون غيره إلا بدليل ، وقد تقرر في الأصول عدم القصر على السبب ، وتقرر أن قصر الذلة على مجرد إعطاء الجزية ، والفقر ، والمسكنة تحكم محض ، فما هذا الكلام الذي لا نفاق له في سوق الجدال والخصام ، ثم رتب على هذا الكلام أنه إخبار به ولا تكليف به ، وكأنه ظن أن التكليف مقصور على الواجب [ 4 ] وهو فاسد يدفعه إطباق أئمة الأصول على شموله لغيره من الأحكام . ثم قال : فكيف يقال أنه يجب إجبار اليهود ، وأنت تعلم أن السؤال الذي أجبنا عليه بالرسالة إنما هو في مطلق ما يدل على الإجبار ، فما دل على الوجوب ، أو الندب ، أو أعم منهما - أعني الجواز - فهو صالح لجعله جوابًا ؛ لأن السائل لم يسأل عن خصوص ما يدل على الوجوب ، ولا اقتصرت في الجواب على هذا الصنف ، بل جمعت بين جميع أنواع الجواز ، ولم أقصر في بيان هذا الأمر بعد جعلي له عنوانًا لتلك الرسالة ، وتصريحي به قبل الشروع فيها ، وقد وهم علي المعترض وهمًا فاحشًا ، فواخذني في كل دليل لا يدل على الوجوب ، وما أدري ما الحامل له على هذه التعسفات ، فإن كان مجرد المعارضة من غير مبالاة بما وقع من الخبط والخلط ، فما هذا دأب أهل العلم والإنصاف . إنك إن حملتني ما لا أطيق . . . ساءك ما سرك مني من خلق وغاية الأمر أن الرجل يريد أن يدل دليل على هذه الخصلة بخصوصها ، ولو كان ذلك شرطًا في التكليف لاستراح الناس عن أكثر التكاليف ، ومن بلغ به الأمر إلى هذا الحد لم يستحق المراجعة . قال : وإن قال : الآية خبر في معنى الأمر إلى قوله : من لغة أو شرع . أقول : إبطاله لدلالة هذه الآية على المطلوب بقوله : لأنه لم يأمر به النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من الغرائب ، فإنه لا شك بعد تسليم دلالة الآية على الإذن بضرب الذلة العامة عليهم ، أو الإذن بجنسها ، أو الأمر بأحد الأمرين أنها متناولة للفرد الكامل من أفراد الذلة تناولًا أوليًّا ، إلا أن ينهي الشارع عنه ، وتوقف ذلك على أن النبي - صلى الله