محمد بن علي الشوكاني

4993

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

يستمر ذلك ما داما في الحياة وإن كانت غير مستمرة إلى حال البلوغ فإذا مثلًا : مات الأبوان بعد ولادة الولد بشهر فقد استمر في تلك المدة جعلهما له يهوديًّا أو نصرانيًّا ، وليس في الحديث ما يدل على غير هذا ، وإن كان المراد المعنى الثاني فلا يصدق ذلك إلا على من عاش أبواه أو أحدهما إلى زمان يتعقل فيه الصبي ما يقال له ، ويؤيد هذا أنه لا بد في كونهم مهودين له أو منصرين من تعقل المفعول به لذلك المعنى ، وهو لا يتعقله قبل بلوغ سن التمييز . وعلى هذا يكون الصبي كافرًا بكفر أبويه ، بمجرد إدراكه لهما أو لأحدهما ، وهو مميز فلا يصير بعد موتهما مسلمًا بكونه في دارنا دونهما ، بل هو على دينهما حتى يبلغ ، ويختار خلافه ، وحينئذ يرثهما ويرثانه ما دام غير خارج عن دينهما ( 1 ) باختياره . وإن كان المراد المعنى الثالث فالولد يصير متدينًا [ 4 ] بدين الأبوين مجرد ثبوت الملازمة لهما ، وليس في ذلك ما يقتضي اعتبار استمرارها إلى البلوغ ، لصدق مسمى الملازمة على ثبوتها في مدة من المدد . ألا ترى أنه يقال في اللغة ( 2 ) : لازم فلانًا يومًا ، أو يومين ، أو ثلاثًا ، أو أسبوعًا وسنة . ويأتي ما سلف من اعتبار كونهما بين مميزين . والظاهر عدم اعتبار ذلك ؛ لأنه يقال : لازم فلان داره ، أو بلده ، أو ضيعته ، أو المسجد . وعلى هذا فلا يكون الصبي مسلمًا بعدم وجود أبويه في دارنا ، وحكمه حكم غيره من الكفار في أحكام الذمي . وأما في الأحكام الأخرى ففيه الخلاف الطويل العريض في أحكام أطفال الكفار . والأدلة في ذلك مختلفة غاية الاختلاف . وعلى الجملة فالمسألة من مطارح الأنظار ، ومسارح اجتهاد الأئمة الكبار . وقد حررت فيها في سالف الأيام بحثًا مطولًا .

--> ( 1 ) في حاشية المخطوط ما نصه : لا يخفى أن اختيار هذه الإرادة يهدم ما دل عليه الحديث في ثبوت الإسلام حتى يبلغ عنه . ( 2 ) " لسان العرب " ( 12 / 542 ) ط : دار صادر - بيروت .