محمد بن علي الشوكاني

4770

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

وأما في مقام المنع من اشتراط ذلك بل في غيره من الأدلة سواء في حجية ما كان فيه ظنيا ، وكذلك الطريق إليه لا اشتراط قطعيتها . وكذلك دليل حجيته عندي دليل اشتراط قطعيتها ، فلذا اكتفيت بتلك االوعيدات الذي ذكرتها ، كما لم ينتهض عندي اشتراط قطيعة دليل كثير من مسائل الأصول ، كالقياس وغيره . ومن ادعى اشتراط ذلك [ 1 أ ] أفادنا دليلا نرتضيه ، والأصح فالإجماع وغيره سواء في الاكتفاء بالظن ، وكذلك في عدم القطع بمدلوله ، ثم إن الاستبعاد والتشكيك فيه يعودان إلى هذا أعني اشتراط حصول القطع به ؛ إذ لا يخفى أنه تعبد أو متعذر في الكثير منه ، وإن حصل القطع في أفراد منه ، فإنما غالب ذلك لكون مستنده ضروريا - أو تواتريا ، فالقطع به لقطعية مستنده ( 1 ) وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل . ( 2 ) نعم . وطريقه هذا الإجماع الظني البحث عن القائلين بالمسألة ، فإذا تظافرت أقوالهم على المسألة ، ولم يوجد من يخالفهم بعد البحث حصل الظن بعدمه . ولهذا نظائر في مسائل عديدة ، منها في البحث عن المعارض ، والمرجح ، والناسخ ، والمخصص ، وغير ذلك فمثل ذلك يحصل الظن بحقية ما اجتمع عليه هؤلاء كما يحصله خبرا الآحاد والقياس وغيرهما ، وما نحن فيه من هذا القبيل ؛ فإنه إذا لم يوجد في السلف مخالف فيه يؤنس السيد الحسن - رحمه الله - فيوشك أن يقع بأغرابه في وعيد الشذوذ ، واتباع السبل المتفرقة عن الجادة العظمى التي عليها السواد الأعظم ، وما ذكره من أن في نفسه من دعوى الإجماع شيئا الظاهر أن مراده ذلك نفسه من أصل دعوى الإجماع ، وثبوت

--> ( 1 ) أي مستند الإجماع إذ لا بد للإجماع من مستند شرعي ؛ لأن القول في الدين بغير علم ، وبغير دليل قول بالهوى . وسند الإجماع قد يكون من الكتاب أو من السنة ، وقد يكون انعقاد الإجماع عن اجتهاد أو قياس كما ذهب إليه الأكثرون . " البحر المحيط " ( 4 / 496 ) ، " حجية الإجماع " ( ص 173 ) . ( 2 ) تقدم توضيحه مرارا .