محمد بن علي الشوكاني

5817

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

وأما العباد فهم بمعزل عن ذلك ، وأنى لهم العلم بالمفاضلة [ 3 أ ] بين أنبياء الله وصفوته من خلقه ، وخيرته من عباده ! . فإن قلت : فما يقول في مثل هذا النهي العام ؟ قلت : إن كان التاريخ معلوماً غير مجهول فقد يقال : إنه إذا كان المتأخر النهي ؛ فينبغي التورع عن التفضيل بينهم على العموم ( 1 ) ، وقد يقال : إنه يحمل هذا العموم على النهي عن التفضيل لبعض الأنبياء على بعض ، وأما نبينا الصادق المصدوق - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فقد أخرج نفسه من ذلك العموم بقوله : " أنا سيد ولد آدم " ( 2 ) . وقد تقرر أنه يبنى العموم على الخصوص إذا شمله العموم على طريقة الظهور كما في هذا المقام ، فإنه لما صرح أنه سيد ولد آدم بهذه الصفة الخاصة به ، الشاملة لجميع بني آدم ، ثم جاء بعدها النهي الشامل له بطريق الظهور لا بطريق الخصوصية كان خارجاً من ذلك العموم بهذا الخصوص ، وأما إذا كان إخباره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بأنه سيد ولد آدم متأخراً عن النهي ؛ فخروجه من النهي ظاهر واضح ، ويحمل ما تقدم من النهي على أنه لم يعلم بهذه السيادة العاملة الشاملة الثابتة له على جميع ولد آدم إلا بعد صدور ذلك النهي ( 3 ) ، وأما إذا كان التاريخ مجهولاً ؛ فبناء العام على الخاص متعين ، حتى قيل : إنه إجماع كما وقع

--> ( 1 ) قال القرطبي في " المفهم " ( 6 / 228 - 229 ) . ويتضمن هذا الكلام أن الحديث معارض - لا تخيروا بين الأنبياء - لقوله تعالى : ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) [ البقرة : 253 ] . ولما في معنى ذلك من الأحاديث وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل ، وهذا لا يصح حتى تتحقق المعارضة حيث لا يمكن الجمع بوجه ومتى يعرف التاريخ ، وكل ذلك غير صحيح . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) انظر : " فتح الباري " ( 6 / 452 ) .