محمد بن علي الشوكاني
5813
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
لمقابله ، وإن كانا عمومين شمل كل واحد منهما واحد من المتقابلين رجعنا إلى الترجيح ، ووجوه الترجيح ( 1 ) معروفة ، وإن كان بينهما عموم وخصوص من وجه فلا تعارض بينهما في مادة الاجتماع ، لأنها متناولة لهما ، ويتعارضان في مادتي الافتراق فيرجع إلى الترجيح بينهما . أما في نفس ذينك الدليلين أو بدليل خارج عنهما ، وإن كانا خاصين يتناول دليل كل واحد منهما ذلك المدلول عليه على الخصوص ، ويدفع مقابله ، فهذا من تعارض الأدلة الخاصة ، والواجب الرجوع إلى وجوه الترجيح ، وهي لا تخفى على المحققين ، ولكن هذا كله خارج عن مسألة السؤال لا جامع بينه وبينها بوجه من الوجوه ، لأنه من تعارض الأدلة ، لا من باب تعارض الامتثال والأدب ، لأن فعل كل واحد منهما من باب امتثال ما ورد عن الشرع ، فإن ترجح في نفسه سقط مخالفه ، وإن ترجح مخالفه سقط هو . ولا يصح إن بعد فعل المرجوح من باب الأدب ، ولا مدخل للأدب في ذلك ، لأن الاعتبار بأدب الشرع ، وهو ما دل عليه الكتاب أو السنة قولا ، أو فعلا ، أو تقريرا ، لا بالأدب الذي تقبله العقول ، وتستحسنه الأنفس ، فإن ذلك خارج عن الشرع . والتجاوز في هذه المسألة والتساؤل عنها إنما هو فيما يدل عليه الشرع ، ولو علم المسؤول بادئ بدء أن سؤال السائل إنما هو عن أمر ورد الشرع به ، وعن أمر يخالفه لما اشتغل بجوابه ، ولا تحير عند إيراده ؛ لأن هذا السؤال هو في وزان قول لقائل : هل الحق خير من الباطل ، أو الباطل خير من الحق ؟ أو قول القائل : هل اتباع [ 2 أ ] الشرع أولى من اتباع غيره ، أو اتباع غير الشرع أولى من اتباعه ؟ وأنت تعلم أنه عند أن يقرع الأسماع هذا الكلام الزائف ، والسؤال المائل عن سنن الصواب لا يجاب السائل إلا بالسخرية منه ، والضحك من قوله ، والتعجب من جهله . فإن قلت : قد مثل هؤلاء المتحاورون في هذه المسألة ، المتنازعون فيها بمثال معروف
--> ( 1 ) انظر وجوه الترجيح في " إرشاد الفحول " ( ص 892 - 918 ) ، " البحر المحيط " ( 4 / 253 - 260 ) " تيسير التحرير " ( 3 / 166 )