محمد بن علي الشوكاني

5814

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

هو أن الأدلة الواردة في تعليمه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كيف يصلون عليه وردت كلها بلفظ : اللهم صل على محمد ، فزادوا لفظ سيدنا وقالوا : اللهم صل على سيدنا محمد ، وقالوا : هذه الصلاة مشتملة على الأدب الحسن ، والأدلة دلت على عدم ثبوت هذه الزيادة ، فأيهما أفضل الإتيان بها تأدبا مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أو تركها امتثالا لأوامره التي لم تشتمل على هذا اللفظ ؟ قلت : وهذا المثال أيضًا ليس مما يصدق عليه معنى ذلك السؤال ، ويندرج في معنى ذلك الإشكال ، لأنه قد صح عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - صحة وقع الإجماع عليها أنه قال : " أنا سيد ولد آدم " ( 1 ) فدخل في ذلك جميع الأنبياء الصالحين ، وكل المؤمنين والمسلمين على اختلاف أنواعهم ، وتباين طبقاتهم ، فهو - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - سيد كل فرد من أفراد العباد كائنا من كان ، وعلى كل إنسان أن يعتقد ذلك ، ويدين به ، ولكنه لم يرد في الصلوات المنصوصات هذا اللفظ ، بل وقع منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الاقتصار على ذلك المقدار ، ولو كان لذلك مدخل في الصلوات لعلمه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الناس كما علمهم سائر ألفاظ الصلوات . ولا يصح أن يقال : إنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ترك التصريح بهذا اللفظ تواضعا ، أو نحو ذلك ، فإن ما شرعه الله لعباده لا يترك بمجرد ذلك ، ولا يصح نسبته إليه ، ولو كان للتواضع ونحوه مدخل في التشريع لم يقل - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " أنا سيد ولد آدم " فإن هذا الحديث قد شمل أمته ، وشمل غيرهم [ 2 ب ] من سائر الملل المختلفة ، والطوائف المتباينة ، منذ عصر أبينا آدم ، - عليه السلام - إلى هذه الغاية ، وما وقع منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من النهي عن تفضيله على موسى - عليه السلام ( 2 ) - ذاكرا

--> ( 1 ) تقدم تخريجه في الرسالة رقم ( 183 ) . ( 2 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 2411 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 160 / 2373 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه : استب رجلان رجل من المسلمين ، ورجل من اليهود ، قال المسلم : والذي اصطفى محمدا عن العالمين فقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين . فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي فذهب اليهودي إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم فدعا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسلم . فسأله عن ذلك فأخبره ، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تخيروني على موسى ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة . فأصعق معهم ، فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى باطش جانب العرش فلا أدري ، أكان فيمن صعق فأفاق قبلي ، أو كان ممن استثنى الله " .