محمد بن علي الشوكاني
5695
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
السيد وسيدي على البشر ، ولا يسوغ عند علماء المعقول والمنقول تقديم العام على الخاص ، بل الخاص مقدم على العام بالاتفاق . فنقول : هذا اللفظ أعني : لفظ السيد ونحوه قد استعمله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان مخصصا لما هو أعم منه مطلقا بلا شك ولا شبهة . والمعترض يسلم هذا العموم والخصوص ، فإنه يزعم أن الآية المذكورة تشمل هذا اللفظ وغيره ، فكيف جعلها مقدمة على ما هو أخص منها مطلقا ! فإن هذه لا يطابق عمل أهل الأصول ، ولا صنيع علماء المعقول ، ولعله لا يخفى عليه مثل هذا ، ومثل هذا قوله : " هلك المتنطعون " ( 1 ) . . قوله : وأما إذا قال : من فلان إلى السيد الشريف ، أو يا سيد بني فلان ، أو يا سيد ائت من غير إضافة فلا بأس به . أقول : قد قرب لنا - المعترض عافاه الله - المسافة ، وقلل الاختلاف ، وأشار إلى الوفاق . وبيانه أنه لم يبق منه خلاف إلا في إطلاق السيد مضافًا [ 10 ] نحو سيدي أو سيدنا ، ولم يمنع من كل مضاف ، بل خصص ذلك بالمضاف إلى الضمير فقط ، ولهذا جوز سيد بني فلان لكونه مضافًا إلى غير الضمير ، وحينئذ فالمنع عنده إنما هو من لفظ سيد إذا كان مضافًا إلى الضمير ، معللا ذلك بأنه يراد به المالك كما سلف . وقد عرفناك أن ذلك غلط منه على من يتكاتب أو يتخاطب بذلك ، ومعلوم أنه إذا أنصف عرف صحة ما ذكرناه من أنهم لا يريدون ذلك المعنى ، وإذا ذهب هذا الوهم جاز عنده وعندنا إطلاق لفظ سيدي وسيدنا ، لأنه لا يراد عند التكاتب والتخاطب إلا إثبات الرئاسة حقيقة أو ادعاء ، ولم يبق حينئذ بيننا وبينه خلاف إن رجع إلى الإنصاف . ثم اعلم أنه هاهنا قد جوز إطلاق السيد إذا قامت قرينة على أنه يراد به البشر ، كما قال بأنه يجوز أن يقال إلى السيد الشريف ، وهذا فيه موافقة لنا أيضا ؛ فإنا ذكرنا في تأويل قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السيد الله " أنه عرف من مقصدهم أن السيد عندهم هو الله ،
--> ( 1 ) تقدم تخريجه . وهو حديث صحيح