محمد بن علي الشوكاني
5304
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
يوجد من يقوم بذلك عند دفع المستحيل ، وهو لا يقع فيبطل ما استلزم ذلك . قلت : يصدق ذلك في مثل رجلين متحابين لمحض عرض أخروي ليس من أعراض الدنيا ، ولا يتعلق بشيء ابتداء ولا انتهاء ، كمن يتحابان لكونهما يجتمعان على الجهاد في سبيل الله ، فينظر كل واحد منهما من صاحبه من النكاية في الكفار ، وشدة الشكيمة ما يوجب له المحبة عنده ، لكونه قد قام بما أوجب الله عليه ، وصار من أهل الجنة ، وكذلك الاجتماع على طلب العلم مع خلوص النية ، وحسن الطوية ، والتجرد عن كل عرض فاسد ، فيحب كل واحد منهما الآخر لكونه يستوجب بعمله الجنة ، وكذلك سائر الطاعات إذا كانت المحبة لأجلها ، ولكن انظر كم ترى من أهل هذه الطبقة ، فإن التحاب لمحض العمل الأخروي مما يعز وجوده غاية العزة عند من لم يعتز بالمبادئ ، واهتم بالمطالب ، وفحص في دون تعليل ، ولم ينفق عليه تلبيس [ 4 ب ] ولا تغرير . ومن أعظم فوائد إمعان النظر في مثل هذا البحث أن الإنسان إذا حاط بحقيقته لم يحفل بجلب القلوب إليه وعطف الخواطر عليه ؛ لأن ذلك لم يفعل لأجله ، بل لأجل المنافع المتعلقة به ، فيسموا بنفسه إلى أن يكون جميع ما يفعله مما يستحسنه الناس خالصة لله - جل جلاله - . فإن فعل الخير من كرم أو شجاعة أو حسن خلق أو علم أو عمل إذا كان معظم القصد به أن يكون فاعله محبوبا عند من يعلم ذلك معظما ، رفيع القدر ، عالي المحل فهو مع كونه من الرياء البحت ، والشرك الخفي غرض ساقط لا ترغب في مثله إلا النفوس الساقطة .