محمد بن علي الشوكاني
5305
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ووجه سقوطه أنه وإن كان محصلا لغرض دنيوي لما فيه ، رفعه المحل ، ونباهة القدر ، ونبالة الذكر لكنه عند التحقيق لأسباب هي غير ذلك الشخص ، فإنه لو فتش عن قلوب المحبين له في الظاهر لوجدها في الحقيقة محبة لماله أو جماله ، أو سائر الأغراض الدنيوية المتعلقة به ، يزول بزوالها مع بقاء ذاته ، فإنه إذا كان محبوبا لأجل إنفاقه على إخوانه ومعارفه زالت تلك المحبة [ 5 أ ] بمجرد ذلك الإنفاق ( 1 ) ، وانقلبت المحبة عداوة ،
--> ( 1 ) قال الحريري : " تعامل الناس في القرن الأول بالدين حتى رق الدين وتعاملوا في القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء ، وفي الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة ولم يبق إلا الرغبة والرهبة " . " الإحياء " ( 2 / 179 ) . * قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه : " أتى علينا زمان وما يرى أحد منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم ، وإنا في زمان الدينار والدرهم أحب إلينا من أخينا المسلم " . لذلك عليم أن تحسن اختيار - الأخ - لأن ذلك أصبح جوهرة مفقودة فهنيئا لمن كان له أخ في الله . * قال علقمة العطاردي في وصيته لابنه حين حضرته الوفاة قال : " يا بني ! إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك ، وإن صحبته زانك ، وإن قعدت بك مؤونة مالك . وإن رأى منك حسنة عدها وإن رأى سيئة سدها ، اصحب من إذا سألته أعطاك ، وإن سكت ابتداك ، وإن نزلت بك نازلة واساك ، اصحب من إن قلت صدق قولك ، وإن حاولتما أمرا أمرك وإن تنازعتما آثرك . وللمؤمن حق على أخيه المؤمن : 1 - ) : الحق في المال : قال تعالى : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الحشر : 9 ] . وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حقت محبتي للمتباذلين في " . تقدم تخريجه . والمواساة بالمال على ثلاث مراتب : 1 - أن تقوم بحاجته من فضلة مالك فإذا سنحت له حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حقه . 2 - أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك ونزوله منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال . رأى بعض الحكماء رجلين يصطحبان لا يفترقان ، فسأل عنهما فقيل : هما صديقان . فقال : ما بال أحدهما فقير والآخر غني ؟ . 3 - وهي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك وهذه رتبة الصديقين ومنتهى درجات المتحابين . 2 - ) : وعليه إطعام الإخوان وكسوتهم : قال أبو سليمان الداراني : " لو أن الدنيا كلها لي في لقمة ، ثم جاءني أخ لأحببت أن أضعها في فمه " . " كتاب الإخوان " ( ص 235 ) . وقال : إني لألقم اللقمة أخا من أخواني فأجد طعمها في حلقي " . " الإحياء " ( 2 / 190 ) . 3 - ) : أن يعينه بالنفس والبدن في قضاء الحاجات والقيام بها قبل السؤال ، وتقديمها على الحاجات الخاصة . قال بعضهم : إذا استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها فذكره ثانية فلعله أن يكون قد نسي ، فإذا لم يقضها فكبر عليه واقرأ هذه الآية : { وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ } [ الأنعام : 36 ] . " كتاب الإخوان " ( ص 240 - 248 ) . قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " . أخرجه البخاري رقم ( 2442 ) ومسلم رقم ( 2580 ) وأبو داود رقم ( 4893 ) والترمذي رقم ( 1426 ) من حديث ابن عمر . وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا " . أخرجه البخاري رقم ( 6064 ) ومسلم رقم ( 2563 ، 2564 ) وأبو داود رقم ( 4917 ) والترمذي رقم ( 1988 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " . تقدم تخريجه . 4 - ) : أن يتودد إليه بلسانه ، ويتفقده في أحواله التي يحب أن يتفقده فيها منها : 1 - أن يخبر بمحبته له . قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه " . 2 - أن تدعوه بأحب الأسماء إليه في غيبته وحضوره . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ثلاث يصفين لك ود أخيك : أن تسلم عليه إذا لقيته أولا ، وتوسع له في المجلس ، وتدعوه بأحب الأسماء إليه . 3 - أن تثني عليه بما تعرف من محاسن أحواله عند من يؤثر هو الثناء عنده . 4 - أن تشكره على صنيعه في حقك . 5 - عليك الذب عنه في غيبته مهما قصد بسوء أو تعرض عرضه بكلام صريح أو تعريض . قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة " . أخرجه الترمذي رقم ( 1931 ) من حديث أبي الدرداء وهو حديث صحيح . وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، التقوى هاهنا ، التقوى هاهنا التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه " . من حديث أبي هريرة . أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2564 ) . 6 - التعليم والنصيحة : قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " تقدم تخريجه . قال الشافعي رحمه الله : " من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه . . . " . 5 - ) : من حقه عليك : أن تعفو عن زلاته وهفواته : قال الأحنف : حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثا : ظلم الغضب وظلم الدالة ، وظلم الهفوة وقد قليل : واغفر عوراء الكريم ادخاره . . . وأعرض عن شتم اللئيم تكرما 6 ) : أن تدعو له في حياته وبعد مماته : قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إذ دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل " . وقال أبو الدرداء : إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم . " الإحياء " ( 2 / 202 ) . قال القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي : قال لي أحمد بن حنبل : أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم سحرا . انظر " سير أعلام النبلاء " ( 11 / 127 ) . وروى الخطيب البغدادي في " تاريخه " ( 9 / 361 ) في ترجمة الطيب إسماعيل أبي حمدون أحد القراء المشهورين قال : " كان لأبي حمدون صحيفة فيها مكتوب ثلاثمائة من أصدقائه ، وكان يدعو لهم كل ليلة ، فتركهم ليلة فنام ، فقيل له في نومه : يا أبا حمدون : لِمَ لم تسرج مصابيحك الليلة ، قال : فقعد فأسرج وأخذ الصحيفة فدعى لواحد واحد حتى فرغ 7 - ) : من حقه عليك الوفاء والإخلاص : 1 - الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه . 2 - ومن الوفاء مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه . 3 - أن لا يصادق عدو صديقه . 4 - أن لا يتغير حاله في التواضع مع أخيه وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه . قال الشاعر : إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا . . . من كان يألفهم في المنزل الخشن 5 - ومن الوفاء أن تجزع من المفارقة : وقد قيل : وجدت مصيبات الزمان جميعها . . . سوى فرقة الأحباب هينة الخطب قال الغزالي في " الإحياء " ( 2 / 204 ) : " اعلم أن ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين ، بل الوفاء لله المخالفة ، فقد كان الشافعي رحمه الله آخى محمد بن عبد الحكم وكان يقربه ويقبل عليه ويقول ما يقيمني بمصر غيره ، فاعتل محمد فعاده الشافعي رحمه الله فقال : مرض الحبيب فعدته . . . فمرضت من حذري عليه وأتى الحبيب يعودني . . . فبرئت من نظري إليه 6 - ومن الوفاء أن تحسن الظن بأخيك . قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } [ الحجرات : 12 ] . وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " تقدم تخريجه . 8 - التخفيف وترك التكلف والتكليف : قال الفضيل : إنما تقاطع الناس بالتكلف ، يزور أحدهما أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه ، وقالوا : من سقطت كلفته دامت ألفته ومن خفت مؤنته دامت مودته .