محمد بن علي الشوكاني

5646

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل " . فهذا هو حجتهم على تشديد النكير على من كاتب أو خاطب بلفظ سيدي ، ونحو ذلك ، فاسمع ما نملي عليك مما خطر على البال من الحجج الشرعية ، وحضر عند تحرير هذه الأحرف من البراهين المرضية ، وذلك [ أربع ] ( 1 ) عشرة حجة : الحجة الأولى [ 1 أ ] : ما صح عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في دواوين الإسلام المعتبرة أنه قال : " أنا سيد ولد آدم " فهذا الحديث صحيح ( 2 ) يفيد أنه سيد الأحياء والأموات من بني آدم [ 1 ] ،

--> ( 1 ) في ( ب ) : ثلاث . ( 2 ) أخرج مسلم في صحيحه رقم ( 3 / 2278 ) وأبو داود رقم ( 4763 ) والترمذي رقم ( 3615 ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع وأول مشفع " . وأخرج مسلم في صحيحه رقم ( 1 / 2176 ) والترمذي رقم ( 3605 ) و ( 3606 ) وأحمد ( 4 / 107 ) والطبراني في " الكبير " ( 22 / 161 ) وابن حبان رقم ( 6242 ) من حديث واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى بني هاشم من قريش ، واصطفاني من بني هاشم ، فأنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأول من تنشق عنه الأرض ، وأول شافع وأول مشفع " . قال القرطبي في " المفهم " ( 6 / 48 ) : السيد : اسم فاعل من ساد قومه ، إذا تقدمهم بما فيه من خصال الكمال وبما يوليهم من الإحسان والإفضال . وأصله : سَيْوِد ؛ لأن ألف ساد منقلبة عن واو ، بدليل أن مضارعه يسود ، فقلبوا الواو ياء وأدغموها في الياء فقالوا : سيد ، وهكذا كما فعلوا في ميت . وقد تبين للعقل والعيان ما به كان محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سيد نوع الإنسان ، وقد ثبت بصحيح الأخبار ماله من السؤدد في تلك الدار ، فمنها أنه قال : " أنا سيد ولد آدم " قال : " وتدرون بما ذاك ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد " أخرجه مسلم ( 194 ) حديث الشفاعة ، تقدم . ومضمونه : أن الناس كلهم إذا جمعهم موقف القيامة وطال عليهم وعظم كربهم ، طلبوا من يشفع لهم إلى الله تعالى في إراحتهم من موقفهم ، فيبدؤون بآدم عليه السلام ، فيسألونه الشفاعة فيقول : نفسي ، نفسي ، لست لها ، وهكذا يقول من سألها من الأنبياء ، حتى ينتهي الأمر إلى سيدنا محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقول : " أنا لها " ، فيقوم أرفع مقام ويخص بما لا يحصى من المعارف والإلهام ، وينادي بألطف خطاب وأعظم إكرام : " يا محمد ، قل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع " وهذا مقام لم ينله أحد من الأنام ولا سمع بمثله لأحد من الملائكة الكرام " .