محمد بن علي الشوكاني

5622

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

والإكرام ؛ فإن المحرم على ما يدعونه إنما هو قصد التعظيم لا القيام ( 1 ) . قوله : وقد شهد بهذا الحديث حديث مسلم ( 2 ) . أقول : هاهنا صورتان : القيام على رأس القاعد كما هو فعل الأعاجم ، والثانية قيام الرجل عند وصول أخيه تعظيما له وإكراما ، أو محبة أو فرحا ، أو لغير ذلك من الأسباب ، وحديث مسلم إنما دل على منع الصورة الأولى ، مقتضى تفسيره القيام الذي وقع النهي عن مثله بالجملة الحالية أعني : " وهم قعود " ، والصورتان متباينتان قبل الحمل الذي ذكرناه آنفا ، فكيف يكون دليل الصورة الأولى شاهدا لحديث أبي أمامة ؟ ! وإنما يكون الشاهد مجبورا به ضعف الحديث حدثا كان الشاهد نصا أو ظاهرا فيما دل عليه ذلك الضعيف ، وبهذا يعرف أن الاستشهاد بحديث مسلم على حديث أبي أمامة بعيد ، وأبعد منه الاستشهاد عليه بحديث : " من سره أن يتمثل الناس . . " إلخ ( 3 ) . قوله : الوعيد على المسرة بالفعل قاض بعدم جوازه . هذا أكبر دليل على تحرير مولاي العزي - حفظه الله تعالى - لهذا البحث مع عجله أو شغله ، مصدية للذهن ؛ فإن المسرة فعل قلبي ، والقيام فعل آخر مغاير لها ، وأي مانع من تحريم أحدهما وجواز الآخر ولو كان من فاعل واحد ، يزيده وضوحا أن فعل الطاعة مطلوب للشارع ، والعجب بها محرم منهي عنه ، وهو مرة بحصول أمر بصحتها تطاول على من لم تحصل له ، فهل ورود الوعيد عليه يقضي بعدم جواز فعل الطاعة ، مع كون الفاعل واحدا ! فكيف مع تعدده كما نحن فيه ! إذا عرفت هذا عرفت أن إطلاق قوله : إذ المسرة بالجائز جائزة ، ليس على ما ينبغي ؛ إذ لا يجوز من المسرة إلا ما لم يمنعه الشارع ، وأما ما منعه منها فلا يجوز ولو كانت مباحا أو مشروعا .

--> ( 1 ) انظر " المفهم " للقرطبي ( 3 / 593 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) انظر : فتح الباري " ( 11 / 51 - 52 ) وقد تقدم توضيحه .