محمد بن علي الشوكاني
5590
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
فعلى تقدير أن هذا القول مما يصدق عليه اسم الغيبة ، يكون وقوعه منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - في حكم المخصص له من ذلك العموم ( 1 ) ، لكن على هذه الصورة الإجمالية وبهذه الصفة الصادرة منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وأيضا فالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يعلم ما لم نعلم ، ويأتيه الوحي بما لم يأتنا ، ويبين الله له ما لم يبين لنا ، فلا يجوز لنا أن نقتدي به في قول صادر منه على هذه الصفة ؛ لجهلنا بالحقائق ، وعدم اطلاعنا على ما في باطن الأمر ؛ ولهذا رد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - على من وصف رجلا في مقامه بأنه مؤمن ، فقال : " أو مسلم هو " ( 2 ) .
--> ( 1 ) انظر التعليقة السابقة . ( 2 ) أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 27 ) ومسلم رقم ( 237 / 150 ) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن سعد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى رهطا - وسعد جالس - فترك رسول الله رجلا هو أعجبهم إلي ، فقلت : يا رسول الله مالك عن فلان ؟ فوالله إني لأراه مؤمنا . فقال : " أو مسلما " فسكت قليلا ، ثم غلبني ما أعلم منه ، فعدت لمقالتي فقلت : مالك عن فلان ؟ فوالله إني لأراه مؤمنا ، فقال : " أو مسلما " ثم غلبني ما أعلم منه ، فعدت لمقالتي ، وعاد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال : " يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار " . قال الحافظ في " الفتح " ( 1 / 80 - 81 ) : أرشده النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أمرين : 1 - إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان ( جعيل ) مع كونه أحب إليه ممن أعطى ؛ لأنه لو ترك إعطاء المؤلف لم يؤمن ارتداده فيكون من أهل النار . 2 - إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر ، فوضع بهذا رد الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على سعد ، وأنه لا يستلزم محض الإنكار عليه ، بل كان الجوابين على طريق المشورة بالأولى والآخر عن طريق الاعتذار . وفي الحديث فوائد منها : ( أ ) : التفرقة بين حقيقتي الإيمان والإسلام وترك القطع بالإيمان الكامل عن ما لم ينص عليه . ( ب ) : جواز تصرف الإمام في مال المصالح وتقديم الأهم فالأهم ، وإن خفي ذلك وجهه على بعض الرعية . ( ج - ) : مراجعة المشفوع إليه في الأمر إذ لم يؤد إلى مفسدة . ( د ) : الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان ، فقد جاء في رواية : " فقمت إليه فساررته " . ( ه - ) : الاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك إجابته . ( و ) : أن لا عيب على الشافع إذا ردت شفاعته . ( ز ) : استحباب ترك الإلحاح في السؤال . ( ي ) : أنه لا يقطع لأحد بالجنة على التعيين إلا من ثبت فيه نص كالعشرة وأشباههم ، وهذا مجمع عليه عند أهل السنة . وانظر : " شرح صحيح مسلم " للنووي ( 2 / 181 ) .