محمد بن علي الشوكاني

5584

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ثم الذين يلونهم ، ثم يفشوا الكذب " . ففيه دليل على أن الكذب قد كان قبل انقراض القرن الثالث ، ولكن من غير فشو ، ثم فشا بعده . وبهذا [ يعرف ] ( 1 ) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قد [ أخبر ] ( 2 ) بأنه سيكذب عليه خصوصا ، ويفشوا الكذب عموما ، ثم وقع في الخارج ما أخبر به الصادق المصدوق ، فإنه لم يزل في كل قرن من القرون كذابون يكذبون على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ويضعون الأكاذيب المروية عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويحدثون بها . فلولا تعرض جماعة من حملة الحجة لجرح المجروحين ، وتعديل العدول ، وذبهم عن السنة المطهرة ، وتبيينهم لكذب الكذابين ، لبقيت تلك الأحاديث المكذوبة من جملة الشريعة ، وعمت بها البلوى . فكان قيام الأئمة - في كل عصر - بهذه العهدة من أعظم ما أوجبه الله على العباد ، ومن أهم واجبات الدين ، ومن الحماية للسنة المطهرة ، فجزاهم الله خيرا وضاعف لهم المثوبة ؛ فلقد قاموا قياما مرضيا ، وخلصوا عباد الله من التكاليف بالكذب ، وصفوا الشريعة المطهرة ، وأماطوا عنها الكدر والقذر ، وأخرسوا الكذابين ، وقطعوا ألسنتهم وغلغلوا رقابهم ، والحمد لله على ذلك ( 3 ) . وهكذا جرح الشهود وتعديلهم ، فإنه لو لم يقع ذلك لأريقت الدماء وهتكت الحرم ، واستبيحت الأموال بشهادات الزور ، التي جعلها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من أكبر الكبائر ، وحذر منها . والحاصل : أن كليات الشريعة وجزئياتها وقواعدها وإجماع أهلها ، تدل أوضح دلالة

--> ( 1 ) في ( ب ) تعرف . ( 2 ) في ( ب ) أخبرنا . ( 3 ) قال الإمام الحافظ ابن الصلاح في " علوم الحديث " ( ص 389 - 390 ) : " الكلام في الرجال جرحا وتعديلا جوز ؛ صونا للشريعة ونفيا للخطأ والكذب عنها ، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة " . ثم إن على الآخذ في ذلك أن يتقي الله تبارك وتعالى ، ويتثبت ويتوقى التساهل ؛ كيلا يجرح سليما أو يسم بريئا بسمة سوء يبقى عليه الدهر عارها ، ويلحق المتساهل من تساهله العقاب والمؤاخذة .