محمد بن علي الشوكاني
5495
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
انظر إلى هذه الآية الكريمة ، فإنه سبحانه أخبرهم بأنه يخلف لهم كل ما أنفقوه وجاء بهذه الكلية الشاملة ، فإن قوله : { وَمَا أَنْفَقْتُمْ } يفيد بعمومه المستفاد من الشرطية الكلية أن يخلف كل حقير وجليل من أنواع ما أنفقوه ، ثم أكد ذلك بقوله : { مِنْ شَيْءٍ } فإنه يتناول ما يصدق عليه لفظ الشيء ، وهو يصدق على الخردلة إذ لا خلاف أنها شيء بل يصدق على أقل جزء من أجزائها ، ثم ذيل هذه الجملة الشرطية بقوله : { وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } ( 1 ) . فانظر إلى ما في هذه الجملة التذييلية من تطمين خواطر المنفقين وتشويقهم إلى ما يخلفه عليهم من هو خير الرازقين ، فإن في ذلك ما يجذب خواطر المتقين إلى أن يكونوا من المنفقين المنتظرين لما وعدهم به خير الرازقين ، فإنه كونه خير الرازقين لا يكون ما يخلفه عليهم إلا أضعاف أضعاف ما ينفقون ، كما تراه في أحوال بني آدم فإن من كان منهم موصوفا بالكرم لا يكافئ إلا بالكثير الذي يكون بالنسبة إلى ما كافأ به عليه فوقه بكثير . فكيف إذا كان ملكا من ملوك الدنيا الذي ينزعه إلى الكرم عرق ، فكيف إذا كان ملك الملوك وربهم وخالقهم ورازقهم ، ومع هذا الخلف الذي يخلعه على المنفقين ، فلهم الجزاء الأخروي بما أنفقوا الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، كما وعد به الرب سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } ( 2 ) . وقد ورد في السنة المطهرة الترغيب في الإنفاق بالأحاديث الكثيرة الصحيحة منها ما في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> ( 1 ) [ سبأ : 39 ] . قال صاحب " الدر المصون " ( 9 / 196 ) : قوله : ( الرَّازِقِينَ ) إنما جمع من حيث الصورة لأن الإنسان يرزق عياله من رزق الله ، والرازق في الحقيقة للجميع إنما هو الله تعالى . ( 2 ) [ الزلزلة : 7 - 8 ] .