محمد بن علي الشوكاني
5482
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ينفع بذلك إلا نفسه ، وربح الفوز بالنعيم الأبدي والسلامة من العذاب الأخروي ، ومع ذلك قد يكون ما فعله من الخير سببا لحراسة ما تفضل الله به عليه في الدنيا عن الزوال ، فإن إعمال الخير لا سيما بذل المال للمحاويج ؛ من أعظم أنواع الشكر الذي وعد الله عباده إن فعلوه بالمزيد فقال : { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ } ( 1 ) فهذا قد نفع نفسه في دنياه وأخراه ، كما ضر الأول نفسه في عاجلته وآجلته وكلاهما لم يجاوز ضر نفسه ولا نفع نفسه ، وذلك غاية قدرته ونهاية استطاعته فسبحان الله العظيم ، ما ألطفه وأرأفه بعباده ، حتى بلغ معهم في التعليم والإرشاد إلى هذه الغاية ، لدفع ما لعله يقع في خواطر الصم البكم الذين هم أشبه بالدواب وإن كانوا في مسلاخ إنسان وجسم بني آدم كما وقع من اللعين حيث قال : { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا } ( 2 ) . فسبحان الصبور على مثل هذه الحماقات من هؤلاء الذين هم كالأنعام ؛ بل هم أضل سبيلا . قوله : " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا " . لما ذكر الله سبحانه أن عباده لا يبلغون ضره ولا يبلغون نفعه ، وكانت عقولهم القاصرة محتاجة إلى مزيد تصريح وتأكيد وطرف من الإيضاح والمبالغة ، أخبرهم سبحانه بأن انتفاء ذلك الضر والنفع الذي نفى عوده إلى حضرته المقدسة وجنابه الأعز الأجل ، ليس هو باعتبار نوع من أنواع العالم ، أو باعتبار أهل عصر من العصور ، بل لو اجتمع أول الثقلين وآخرهم ، وكانوا على غاية من الصلاح والانقياد والطاعة والتقوى ، بل لو
--> ( 1 ) [ إبراهيم : 7 ] . ( 2 ) [ غافر : 36 ] .