محمد بن علي الشوكاني

5483

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

كانوا على حالة أعلى من هذه الغاية ، ومنزلة أرفع من هذه المنزلة ، وهي أن يكونوا كالفرد الكامل منهم والرجل كل الرجل في جماعتهم ، وهو من ملئ قلبه من التقوى حتى صار أتقى الثقلين الإنس والجن بعد اجتماع أولهم وآخرهم ، ولا يخفاك أن أتقى الثقلين عن اجتماعهم المعروض الشامل لأولهم وآخرهم هم الأنبياء عليهم السلام ، وأتقى الأنبياء هو سيد ولد آدم الأنبياء وغيرهم ، وهو نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، فانظر هذه المبالغة البليغة والكلام الفائق . وقوله : " واحد " للتأكيد كما يقتضيه مقام المبالغة مثل قوله سبحانه : { نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ } ومثل قوله : { دَكَّةً وَاحِدَةً } ( 1 ) ومثل قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " لأولى رجل ذكر " ( 2 ) . ثم لما فرغ سبحانه من المبالغة في جانب دفع النفع ، ذكر المبالغة في جانب دفع الضرر فقال : " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا " . وفيه مثل ما تقدم من المبالغة البليغة والكلام الجاري على أكمل نظام وأتم أسلوب . وهذا القلب الذي هو أفجر قلوب الثقلين عند الاجتماع المفروض ، قد يكون قلب إبليس أو أحد مردة الجن ، وقد يكون قلب بعض جبابرة الإنس كفرعون والنمرود ولا يعلم ذلك إلا علام الغيوب . والمقصود من هذا أن عبادة العابدين ، وتقوى المتقين ، وزهد الزاهدين ، إنما ينتفع بها فاعلها فقط ، ومعصية العاصين ، وتهتك المتهتكين ، وكفر الكافرين ، ونفاق المنافقين ، إنما تضر فاعلها ، وليس إلى الله عز وجل ولا عليه تبارك وتعالى من ذلك شيء . فإن قلت : قد ثبت في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> ( 1 ) [ الحاقة : 14 ] . ( 2 ) أخرجه البخاري رقم ( 6732 ) ومسلم رقم ( 1615 ) وقد تقدم .