محمد بن علي الشوكاني

3674

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

البيان في أحكام القرآن " ( 1 ) ، وهو : فإن قال قائل : فاشتراط التلفظ في البيع أمر زائد على ما ورد به القرآن الكريم ؛ إذ لم يرد إلا باشتراط التراضي ، ولم ترد السنة باشتراطه أيضا ، ومقتضي هذا أنه يجوز بيع المعاطاة إذ دلت القرائن ، وشواهد الأحوال على الرضي . قلنا : التجارة والبيع أمر معتاد في الوجود ، وهو التعاوض ، ثم استدل على اعتبار العقد تحديث : " لا يبيع أحدكم على بيع أخيه " ( 2 ) وجعله مقتضيا أن البيع هو التعاقد الناقل لملك أحدهما إلى ملك الآخر ، وأن التساوم لما كان من مقدمات البيع ، ولا ينعقد بمثله مع كونه بألفاظ من البائع والمشتري ، أفاد اعتبار العقد ت ، ثم قوى هذا بما وقع في الأحاديث من ذكر لفظ " إذا بعت " ونحو ذلك ، ولا يخفى عليك أن مجرد المساومة أمر متقدم على الرضي المعتبر ، فلا بد معها من أمر مشعر بالرضى ، بأي صيغة كانت ، والتنصيص على لفظ : " بعت " في بعض المواطن لا يستلزم الحصر في المنصوص عليه كما سلف ، لا سيما بعد تطابق اللغة والشرع والعرف على تسمية هذه المعارضة بيعا ، وإن وقعت بغير لفظ : " بعت " فيكون هذا هو النكتة في إطلاق مثل ذلك اللفظ بخصوصه على تلك المعاوضة . وبهذا تعرف أن كون المساومة ( 3 ) من مقدمات البيع لا يستلزم ما اشتملت عليه تلك الدعوى من اشتراط العقد بألفاظ مخصوصة ، لأنا لم ندع أن مجرد وقوع التلافظ بين البائع والمشتري بأي لفظ كان يكفي في البيع حتى يرد علينا أنهما قد تساوما بألفاظ ، ولم يكن ذلك بيعا بل قلنا : المعتبر صدور لفظ يدل على الرضا ، أو ما يؤدي مؤداه من كتابة أو إشارة ، وهذا أمر وراء المساومة ، لأنها ألفاظ لا إشعار لها بالرضى على أنه يلزم

--> ( 1 ) كذا في المخطوط وصوابه " تيسير " . انظر التعليقة السابقة . ( 2 ) أخرجه البخاري رقم ( 5142 ) ومسلم رقم ( 8 / 1412 ) من حديث ابن عمر وقد تقدم . ( 3 ) انظر " المسوى " ( 2 / 31 ) . " الهداية " للمرغنياتي ( 3 / 21 ) .