محمد بن علي الشوكاني

3416

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ( 1 ) . ويجاب عن هذا بأنه على تسليم ذلك يشاركه كل ما يصدق عليه أنه صبر . لخامس : أن هذه العبادة لا يمكن اطلاع الغير عليها ( 2 ) ، إنما هي عبادة يؤتمن عليها

--> ( 1 ) [ الزمر : 10 ] . ( 2 ) قال القرطبي في " المفهم " ( 3 / 212 ) : اختلف في معنى هذا على أقوال : أحدها : أن أعمال بني آدم يمكن الرياء فيها ، فيكون لهم ، إلا الصيام فإنه لا يمكن فيه إلا الإخلاص ؛ لأن حال الممسك شبعا كحال الممسك تقربا ، وارتضاه المازوري - في المعلم بفوائد مسلم ( 2 / 41 ) - ثم قال المازوري بعد ذلك : وإنما القصد وما يبطنه القلب هو المؤثر في ذلك والصلوات والج والزكاة أعمال بدنية يمكن فيها الرياء والسمعة ، فلذلك خص الصوم بما ذكره دونها . ثانيها : أن أعمال بني آدم كلها لهم فيها حظ إلا الصيام ، فإنهم لاحظ لهم فيه . قاله الخطابي . قال الحافظ في الفتح ( 4 / 107 ) : معنى النفي في قوله " لا رياء في الصوم " أنه لا يدخله الرياء بفعله ، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول ، كمن يصوم ثم يخبر ، فإن الرياء قد يدخله الرياء من هذه الحيثية ، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار ، بخلاف بقية الأعمال فإن الرياء قد يدخله بمجرد فعلها . ثالثها : أن أعمالهم هي أوصافهم ، ومناسبة لأحوالهم إلا الصيام ، فإنه استغناء عن الطعام ، وذلك من خواص أوصاف الحق سبحانه وتعالى : وذكره الحافظ في الفتح ( 4 / 108 ) . رابعها : أن أعمالهم مضافة إليهم إلا الصيام ، فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفا ، كما قال ( بيتي ، عبادي ) . قال الحافظ في الفتح ( 4 / 108 ) : وقال الزين بن المنير : التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف . خامسها : أن الأعمال كلها ظاهرة للملائكة ، فتكتبها ، إلا الصوم ، وإنما هو نية وإمساك ، فالله يعلمه ويتولى جزاءه ، قاله أبو عبيد . قال الحافظ في الفتح ( 4 / 109 ) : واستند قائله إلى حديث واه جدا أورده ابن العربي في " المسلسلات " ولفظه : " قال الله : الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحب ، لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان يفسده " ويكفي في رد هذا القول الحديث الصحيح في كتابة الحسنة لمن هم بها ، وإن لم يفعلها .