محمد بن علي الشوكاني

3415

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الثالث : أن الصوم لم يعبد به غير الله ( 1 ) ، وما عداه من العبادات قد تقرب به إلى غيره ، ويعترض عليه بمثل ما ذكره السائل ، عافاه الله . ويجاب عنه بأن ذلك ليس على طريقة العبادة ، بل هو لقصد تخفيف الأخلاط وتقليلها ، كما يفعله أهل الرياضيات ، ويزعمون أن أثرا في إدراك الحقائق ، ولم يكن في قصدهم التقرب بذلك إلى الكواكب ونحوها . الرابع : أن الصوم صبر ( 2 ) ، فيدخل تحت قوله تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ

--> ( 1 ) قال ابن حجر في " الفتح " ( 4 / 108 ) : واعترض على هذا بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات ، فإنهم يتعبدون لها بالصيام . وأجيب : بأنهم لا يعتقدون إلهية الكواكب وإنما يعتقد أنها فعالة بأنفسها ، وهذا الجواب عندي ليس بطائل ؛ لأنهم طائفتان : إحداهما كانت تعتقد إلهية الكواكب وهم من كان قبل ظهور الإسلام ، واستمر منهم من استمر على كفره . والأخرى من دخل منهم في الإسلام واستمر في تعظيم الكواكب وهم الذين أشير إليهم . ( 2 ) ذكره ابن حجر في " الفتح " ( 4 / 108 ) وعزاه إلى ابن عيينة أنه قال ذلك ، واستدل له بأن الصوم هو الصبر لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات . قال القرطبي في " المفهم " ( 3 / 213 ) : قال تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر : 10 ] ، وهم الصائمون في أكثر أقوال المفسرين , وهذا ظاهر قول الحسن ، غير أنه قد تقدم ، ويأتي في غير ما حديث : أن صوم اليوم بعشرة ، وأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وصيام رمضان صيام الدهر ، وهذه نصوص في إظهار التضعيف ، فبعد هذا الوجه ، بل بطل . قال الحافظ ردا على قول القرطبي : " لا يلزم من الذي ذكر بطلانه ، بل المراد بما أورده أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام ، وأما مقدار ثواب ذلك فلا يعلمه إلا الله تعالى ، ويؤيده أيضًا العرف المستفاد من قوله : " أنا أجزي به " لأن الكريم إذا قال : أنا أتولى الإعطاء بنفسي ، كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه " . انظر : " فتح الباري " ( 4 / 108 ) و " المفهم " ( 3 / 213 ) .