محمد بن علي الشوكاني

3413

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

[ بحث في الصوم لي وأنا أجزي به ] السؤال الثالث : قال - حفظه الله - : المسألة الثالثة قوله : " الصوم لي وأنا أجزي به " ( 1 ) الحديث ، كيف أنه اختص من بين سائر العبادات بالله ؟ إن قلنا : كونه عبادة خفية ، فالإيمان أخفى ، وإن قلنا : أن فيه تصفية للقلب والعقل ، فذكر الله تعالى في التصفية أبلغ ، وكذلك تلاوة القرآن ، وإن قلنا : عبادة لم يعبد بها غير الله ، فأهل الملل الأخرى يصومون لاستخدام الأفلاك ، وللارتياض ونحو ذلك مما لم يقصد به الباري ؟ أفيدوا . انتهى . والجواب أنه قد اختلف في تفسير معنى هذا اللفظ الوارد في الحديث اختلافا طويلا ، حتى بلغت الأقوال إلى خمسة وخمسين قولا ، أقواها ستة . أحدها : أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلا الصوم فإنه أكثر . هذا سياق الحديث ، فإن لفظه في الأمهات ( 2 ) هكذا : عن أبي هريرة قال : قال رسول

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 1904 ) ومسلم رقم ( 163 ، 164 / 1151 ) وأحمد ( 2 / 273 ) والنسائي ( 4 / 162 - 163 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " قال الله عز وجل : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب . وفي رواية : ولا يجهل . فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني امرؤ صائم ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة منريح المسك ، وللصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه فرح بصومه " . ( 2 ) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه رقم ( 7492 ) ، ( 5927 ) و ( 1894 ) ، ( 7538 ) وابن ماجة رقم ( 16638 ) وأحمد ( 2 / 281 ) ( 2 / 443 ، 477 ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر حسنات إلى سبع مائة ضعف ، يقول الله : إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به . . . . . . " وله عندهم ألفاظ مختلفة . وقال الحافظ في " الفتح " ( 4 / 110 ) : عن البيضاوي : والمعنى أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فلا يضاعف إلى هذا القدر ، بل ثوابه لا يقدر قدره ولا يحصيه إلا الله تعالى . ولذلك يتولى الله جزاؤه بنفسه ولا يكله إلى غيره . قال - البيضاوي - : والسبب في اختصاص الصوم بهذه المزية أمران : أحدهما : أن سائر العبادات مما يطلع العباد عليه . والصوم سر بين العبد وبين الله تعالى يفعله خالصا ويعامله به طالبا لرضاه ، وإلى ذلك الإشارة بقوله : " فإنه لي " . الآخر : أن سائر الحسنات راجعة إلى صرف المال أو استعمال للبدن ، والصوم يتضمن كسر النفس وتعريض البدن للنقصان ، وفيه الصبر على مضض الجوع والعطش وترك الشهوات .