محمد بن علي الشوكاني
3374
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
البحث الثاني في الكلام على ما تمسك به المختلفون من المانعين والمجوزين . استدل المانعون بقوله تعالى : { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } ( 1 ) . وتقرير الاستدلال ما يقيده قوله تعالى : { فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ } فإن الإشارة إلى قوله : { إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } فما غاير ذل فهو من الورى الذي لا يبتغيه إلا العادون ، ويمكن أن يقال إنه لا عموم لهذه الصيغة ما هو مغاير للأرواح ، وملك اليمين مغايرة أي مغايرة ، وإلا لزم تحريم كل ما يبتغيه الإنسان ، وهو مغاير لذلك ، وإن كان الابتغاء لمنفعة من المنافع التي لا تتعلق بالنكاح ، كالأكل والشرب . واللازم باطل بالإجماع ، فلا بد من تقييد ذلك الابتغاء للورى ، ومع
--> ( 1 ) [ المؤمنون : 5 - 7 ] قال القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " ( 12 / 105 - 106 ) : قال محمد بن عبد الحكم : سمعت حرملة بن عبد العزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة ، فتلا هذه الآية : { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } إلى قوله : { الْعَادُونَ } وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة ، وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به . . . فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء ، وهو استفعال من المني ، وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه ، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة أصله الفصد والحجامة ، وعامة العلماء على تحريمه ، وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه ، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة ، ويا ليتها لم تقل . ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها . فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة ، قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا ، وإن كان قد قال به قائل أيضا ، ولكن الاستمناء ضعيف بالدليل عار بالرجل الدنيء ، فكيف بالرجل الكبير .