محمد بن علي الشوكاني
3357
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وقد قال الله تعالى : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } ( 1 ) , وكون الفقر عذرا له بقابله بأن نطلها في عوض بضعها عذر لها في منعه منه . فإن قيل : ما نزل به من الفقر صيره غير واجد ، وكان ذلك عذرا له عن وجوب التعجيل ، والزوجة لم يكن مطلها من مهرها عذرا لها في ترك التمكين لأنها متمكنة من ذلك ، وليس من تعذر عليه تسليم ما يجب عليه كمن لم يتعذر عليه ذلك . فيقال : لم ينسد على الزوج طرق المكاسب ، وأسباب المعاش التي يتوصل بها إلى تسليم ما يجب عليه بها ، وهي لم تطلب منه التسليم في الحال ، إنما طلبت منه السعي في التحصيل ، ومنعته من شيء لم يسلم ما يجب عليه فيه ، وبعد اللتيا والتي ( 2 ) فلو كان الامتناع من تمكين الزوج ( 3 ) الفقير بعد الدخول
--> ( 1 ) [ البقرة : 228 ] . قال ابن كثير في تفسيره ( 1 / 609 ) : " أي ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن ، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف كما ثبت في صحيح مسلم رقم ( 1218 ) عن جابر أن رسول الله - قال في خطبته في حجة الوداع : " فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف " . وفي حديث بهز بن حكيم عن معاوية بن حيدة القشيري ، عن أبيه ، عن جده أنه قال : يا رسول الله ، ما حق زوجة أحدنا ؟ قال : " أن تطعمها وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ، ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت " أخرجه أبو داود بسند حسن " . ( 2 ) قيل : اللتيا تصغير التي ، وهي الداهية الصغيرة . والتي هي الداهية الكبيرة . ويقال : وقع فلان في اللتيا والتي ، وهما اسمان من أسماء الداهية . وقيل : تصغير لتي واللاتي : اللات اللتيا واللتيا ، بالفتح والتشديد . انظر : " لسان العرب " ( 12 / 234 ) . ( 3 ) قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم ، أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها ، حتى يعطيها مهرها . وإن كان معسرا بالصداق امتنعت لأن امتناعها بحق . وإن كان الصداق مؤجلا ، فليس لها منع نفسها قبل قبضه ، لأن رضاها بتأجيله رضى بتسليم نفسها قبل قبضه ، كالثمن المؤجل في البيع . فإن حل المؤجل قبل تسليم نفسها ، لم يكن لها منع نفسها أيضا ، لأن التسليم قد وجب عليها واستقر قبل قبضه ، فلم يكن لها أن تمنع منه . وإن كان بعضه حالا وبعضه مؤجلا ، فلها منع نفسها قبل العاجل دون الآجل ، ثم لو أرادت منع نفسها حتى تقبضه ، فقد توقف أحمد عن الجواب فيها , وذهب أبو عبد الله ابن بطة ، وأبو إسحاق بن شاقلا إلى أنها ليس لها ذلك . وهو قول مالك والشافعي ، وأبي يوسف ومحمد ، لأن التسليم استقر به العوض برضى المسلم فلم يكن لها أن تمتنع بعد ذلك . كما لو سلم البائع المبيع . وذهب أبو عبد الله ابن حامد إلى أن لها ذلك ، وهو مذهب أبي حنيفة ، لأنه تسليم يوجبه عليها عقد النكاح . فملكتت أن تمتنع منع قبل قبض صداقها ، كالأول . فأما إن وطئها مكرهة ، لم يسقط به حقها من الامتناع لأنه حصل بغير رضاها ، كالمبيع إذا أخذه المشتري من البائع كرها . وإن أخذت الصداق فوجدته معيبا ، فلها منع نفسها حتى يبدله ، أو يعطيها أرشه . لأن صداقها صحيح ، وإن لم تعلم عيبه حتى سلمت نفسها ، خرج على الوجهين فيما إذا سلمت نفسها قبل صداقها ثم بدا لها أن تمتنع . انظر : " المغني " ( 10 / 171 - 172 ) .