محمد بن علي الشوكاني

2384

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

[ نص الجواب ] أحمدك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، وأصلي وأسلم على حبيبك ورسولك وآله . وقف الحقير على هذا البحث النفيس ، فرأيت حاصل ما اشتمل عليه السؤال عن صحة الاستدلال بقوله تعالى : { أمر ألا تعبدوا إلا إياه } ( 1 ) ، وبقوله تعالى : { أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا } ( 2 ) على ما ذكره أهل الأصول في المسألة المشهورة من كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده ، أو يستلزمه ، أوليس كذلك . وأقول : لا ريب أن محل النزاع هو كون أفعل الدال على الطلب ( 3 ) بالفعل نهيًا عن ضده الذي هو عدم الفعل ، أو مستلزمًا للنهي عن ذلك ، أوليس كذلك ، مثلاً إذا قال زيد لعمرو : اضرب . هل يكون لفظ اضرب نهيًا عن ترك الضرب الذي هو ضد الضرب ، أو مستلزمًا للنهي عن ذلك ، أوليس كذلك ؟ فإذا قلت مثلاً : أمر زيد عمرًا بأن يضرب ، فالمراد به أنه قال له : اضرب . وإذا قلت : أمر زيد عمرًا بأن لا يضرب ، فالمراد أنه قال له : لا تضرب . وإذا قلت : أمر زيد عمرًا أن لا يضرب فالمراد أنه قال له : لا تضرب . وصيغته لا تضرب هي صيغة نهي بلا شبهة ، وقد جعلها في هذا المثال تفسيرًا لما أخبر به من الأمر [ 5 ] . فإذا كان المتكلم بذلك من هو من العرب الذين يحتد بكلامهم فلا ريب أن تفسير الأمر بما هو صريح النهي يدل على أنه يطلق الأمر على النهي ، وأن المتكلم بصريح النهي يقال له آمر .

--> ( 1 ) [ يوسف : 40 ] . ( 2 ) [ هود : 87 ] . ( 3 ) انظر « البحر المحيط » للزركشي ( 3 / 416 - 420 ) . قال صاحب « الكوكب المنير » ( 3 / 55 ) : أن الأمر الإيجاب طلب فعل يذم تاركه إجماعًا ، ولا ذم إلا على فعل ، وهو الكف عن المأمور به أو الضد ، فيستلزم النهي عن ضده أو النهي عن الكف عنه .