محمد بن علي الشوكاني

2385

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

وهذا الإطلاق لا يصح أن يكون إطلاقًا حقيقيًّا لما تقرر من أن الأمر هو طلب الفعل ، لا طلب الكف ، فلم يبق إلا أن ذلك الإطلاق مجازي ، والعلاقة الضدية ، وهي إحدى العلاقات المشورة المسوغة للتجوز ، فما وقع في القرآن الكريم من قوله تعالى : { أمر ألا تعبدوا إلا إياه } ( 1 ) فيه التجوز بإطلاق الأمر الذي تضمنه الإخبار عن النهي المذكور لتلك العلاقة ، وليس هذا هو محل النزاع بين أهل الأصول في مسألة كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده ، أو يستلزمه ، بل محل النزاع عندهم هو ما قدمناه من كون لفظ افعل الدال على الطلب هل يكون نهيًا عن فعل الضد أو مستلزمًا له كما كان طلبًا للفعل نفسه ، أوليس كذلك ؟ وليس نزاعهم في صحة إطلاق لفظ الأمر على النهي مجازًا ، أو في عدم الصحة ، فإنهم لا يختلفون في جواز ذلك الإطلاق على طريق المجاز في كل ضدين ، لوجود العلاقة المسوغة ، وهي الضدية مع نصب القرينة المانعة عن إرادة المعنى الحقيقي ، ومثل هذا قوله تعالى : { أصلاتك [ 6 ] تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا } ( 2 ) فإنه ليس فيه إلا جواز إطلاق لفظ الأمر الذي تضمنه الإخبار على الترك الذي هو مدلول النهي . فإذا تقرر هذا علم السائل - أدام الله فوائده - أنه لا دلالة في الآيتين في المسألة الأصولية التي هي محل النزاع ( 3 ) . ومن تدبر لم يخف عليه ذلك . والله أعلم [ 7 ] .

--> ( 1 ) [ يوسف : 40 ] . ( 2 ) [ هود : 87 ] . ( 3 ) على أن « كون الأمر بالشيء نهي عن ضده » .