محمد بن علي الشوكاني

2318

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

فإن من قال : المكانع من حكم الحاكم بعلمه : أنها وردت أسباب شرعية توجب على الحاكم الاقتصار عليها كالبينة ، واليمين ، والإقرار ( 1 ) . قلنا : أخبرنا ما الدليل على أن هذه الأسباب يجب الاقتصار عليها ؟ ومن أين علمت ذلك ؟ وما الذي أفادك هذا . فإنه لم يرد في شيء من هذه الأسباب أنه يجوز الحكم إلا بها ، ولا يجوز الحكم بغيرها مما هو أولى منها . ولم نجد في كتاب الله ، ولا في سنة رسوله حرفًا من ذلك ، ولا رأينا فيهما صيغة تفيد الحصر ، ولا يدعى عالم أنه قد ثبت عن الشارع ما يفيد أن هذه الأسباب الظنية هي طرق الحكم ( 2 ) ولا طريق له غيرها ؟ بل غاية ما هناك أن الشارع أوجب على عباده اتباع العلم ، ومنعهم من اتباع الظن ، ومقتهم على اتباعه ، ثم وسع على عباده بتخصيص الأدلة الموجبة لاتباع العلم بهذه الأدلة الواردة في جواز الحكم بمجرد الظن . فالحكم بالعلم موافق للأدلة من أدلة الكتاب والسنة ، أعني الأدلة الموجبة لاتباع العلم ، والنهي عن اقتفاء ما ليس بعلم ، وموافق للأدلة المخصصة لذلك العموم - أعني الأدلة الدالة [ 5 أ ] على جواز الحكم بالإقرار ، والبينة ، واليمين ؛ لأن العلم - لا يشك عاقل - أنه قد أفاد ما أفادته هذه الأسباب من حصول الظن للحاكم ، وزاد عليها بزيادة خرج بها عن مجرد التجوزي المحتمل ، والراجح والمرجوح إلى الجزم والمطابقة . فكيف يقول من له أدنى فهم ، وعنده أيسر علم أنه يجوز للحاكم أن يحكم بمجرد ظنه المحتمل للطبلان ، ومخالفة الواقع ، ولا يجوز له أن يحكم بعلمه الجازم المطابق الثابت الذي لا يتعقبه بطلان ، ولا يتبعه تغير ؟ ! وأين هذا القائل عن قوله - - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فيما صح عنه : « دعا ما يريبك إلى ما لا يريبك ؟ » ( 3 ) .

--> ( 1 ) تقدم مناقشة ذلك ( 2 ) تقدم الرد على ذلك . ( 3 ) أخرجه الترمذي رقم ( 2518 ) والنسائي ( 8 / 327 - 328 ) ابن حبان في صحيحه رقم ( 720 ) والبيهقي في « شعب الإيمان » رقم ( 5747 ) من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما ، وهو حديث حسن .