محمد بن علي الشوكاني

548

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

من دون الجبل ، وفلقة من خلف الجبل ، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللهم اشهد " . قلت : وقد روي في غير ( 1 ) الصحيحين من غير طريق هؤلاء المذكورين . ومن دلائل نبوته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صعوده ( 2 ) ليلة المعراج إلى ما فوق السماوات ، وقد نطق بهذا الكتاب العزيز ، وتواترت به الأحاديث تواترا لا يشك من له أدنى إلمام بعلم السنة ، ولا ينكر ذلك إلا متزندق ، وليس بيده إلا مجرد الاستبعاد ، وليس ذلك مما تدفع به الأدلة ، ويبطل به الضروريات وإلا لكان مجرد إنكار وقوع الشيء المبرهن على وقوعه كافيا في دفعه ، وذلك خلاف العقل والنقل . وقد رفع الله - سبحانه - إلى السماء إدريس - عليه السلام - . وثبت في السفر الثاني من أسفار الملوك في التوراة ، أن إيليا رفع إلى السماء ، وبعض تلامذته ينظر إليه . وشاع ذلك ، ولم يخالف فيه أحد من اليهود ، وهذا إيليا هو المسمى في القرآن إلياس . وهكذا ثبت في الأناجيل كلها أن الله - سبحانه - رفع عيسى - عليه السلام - بعد الصلب في زعمهم كما هو محرر هنالك ، ولا يخالف في ذلك أحد من النصارى . وقد نطق القرآن ( 3 ) الكريم بأنه رفعه إليه ، ولم يصلب . وإلى ذلك ذهب بعض طوائف النصارى . والحاصل أن رفعه إلى السماء متفق عليه بين جميع المسلمين ، وجميع النصارى ، ولم يقع الخلاف بينهم إلا في كونه رفع قبل الصلب ، أو بعده . ومن دلائل نبوته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما في الصحيحين ( 4 ) وغيرهما : أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة - والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قائم يخطب - فقال : يا رسول الله ، هلكت الأموال ،

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في السنن رقم ( 3289 ) من حديث جبير بن مطعم . ( 2 ) انظر صحيح البخاري رقم ( 4716 ) وانظر : تفسير ابن كثير ( 7 / 429 ) . ( 3 ) قال تعالى : ( إِنِّي مُتَوَفيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) [ آل عمران : 55 ] . ( 4 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 933 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 8 / 897 ) من حديث أنسى بن مالك - رضي الله عنه - .