محمد بن علي الشوكاني

508

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الفصل الثالث في إثبات النبوات [ 1 - تمهيد ] : اعلم أن الأنبياء - عليهم السلام - على كثرة عددهم ، واختلاف أعمارهم ، وتباين أنسابهم ، وتباعد مساكنهم ، قد اتفقوا جميعا على الدعاء إلى الله - عز وجل - وصار الآخر منهم يقر بنبوة من تقدمه ، وبصحة ما جاء به . وإذا خالفه في تحليل بعض ما حرمه الله على لسان الأول ، أو تحريم ما أحله الله له ولأمته فهو مقر بأن الحكم الأول تحليلا أو تحريما هو حق ، وهو حكم الله - عز وجل - وأنه الذي تعبد الله به أهل تلك الملة السابقة ، واختاره لهم ، كما اختار للملة اللاحقة ما يخالفه . والكل من عند الله - عز وجل - وذلك جائز عقلا وشرعا في ملة واحدة ، فضلا عن الملل المختلفة . وما روي في بعض كتب أصول الفقه من أن اليهود ينكرون النسخ ، فتلك رواية غير صحيحة ، وقد نسبها من نسبها إلى طائفة ( 1 ) قليلة منهم ، وما أظنه يصح عنهم ذلك ؛ فإن التوراة مصرحة بنسخ كثير من الأحكام التي تعبدهم الله بها ، تارة تخفيفا ، وتارة تغليظا ، وتارة إيجابا ، وتارة تحريما . وبالجملة فلا شك ، ولا ريب أن الأنبياء متفقون على تصديق بعضهم بعضا ، وأن ما جاء به كل واحد منهم فهو من عند الله - عز وجل - [ 14 ] وقد عرفناك فيما سبق أن

--> ( 1 ) قال صاحب الكواكب ( 3 / 533 ) . يجوز النسخ عقلا باتفاق أهل الشرائع سوى الشمعونية - ينتسبون إلى شمعون بن يعقوب . وكذلك يجوز النسخ سمعا باتفاق أهل الشرائع سوى العنانية من اليهود فإنهم يجوزونه عقلا لا سمعا . العنانيه : فرقة من اليهود ينتسبون إلى عنان بن داود وهم يخالفون اليهود في سائر السبت والأعياد وينهون عن أكل الطير والظباء والسمك والجراد . . . " . الإرشاد ( ص 185 ) . نهاية السول ( 2 / 167 ) . الملل والنحل ( 1 / 315 ) .