محمد بن علي الشوكاني
509
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
عددهم بلغ إلى مائة ( 1 ) ألف وأربعة وعشرين ألفا ، ولا خلاف بين أهل النظر أن اتفاق مثل هذا العدد يفيد العلم الضروري بصدق ما اتفقوا عليه ، بل اتفاق عشر هذا العدد ، بل اتفاق عشر عشره يفيد ذلك . ومن ينكر في هذا الاتفاق فعليه بمطالعة التوراة ، فإنها قد اشتملت على حكاية حال الأنبياء من لدن آدم إلى بعثة موسى ، وفيها التصريح بتصديق بعضهم بعضا ، ولم يقع من واحد منهم الإنكار لنبوة أحد ممن تقدمه . ثم جاء من بعد موسى وهارون أنبياء بني إسرائيل ، وكل واحد منهم يقر بمن تقدمه ، ويثبت نبوته ، كما اشتمل على ذلك كتب نبواتهم ، وكثير منهم كان يجاهد من يعبد الأصنام من بني إسرائيل وغيرهم . وقد وقعت لهم قصص وحروب مع من كان يعبد الصنم المعروف ( ببعل ) الذي ذكره الله - سبحانه - في القرآن ( 2 ) . وكذلك كان لهم قصص وحروب مع من كان يعبد غيره من الأصنام . وهكذا داود وسليمان ، وهما من أنبياء بني إسرائيل ، وممن يدين بالتوراة ، ما زالا في حرب مع عباد الأصنام كما يحكي ذلك الزبور ، وكتاب داود ، وكما تحكيه وصايا سليمان ، وهى كتاب مستقل . وهكذا الإنجيل ، فإن المسيح - عليه السلام - كان يحتج على المخالفين له من اليهود بنص التوراة في غالب فصوله المشتملة على حكاية المسائل التي أنكرها عليه اليهود . ومع هذا فلم يقع اختلاف بينهم قط في الدعاء إلى توحيد الله ، وإثبات المعاد ، وصحة نبوة كل واحد منهم وصدقه ، فيما جاء به من الشرع ، وفيما حكاه عن الله - سبحانه - . وهذه هي الثلاثة المقاصد التي جمعنا هذا المختصر لتقرير اتفاقهم عليها ، وإثباتهم لها ، وكثيرا ما كان يقع التبشير من السابق منهم باللاحق ، كما هو مصرح به في التوراة من تبشير موسى بيوشع بن نون ، وكما هو مصرح به في الزبور من تبشير داود بعيسى ، وهو الرابع عشر من أولاده ، فإن بين داود والمسيح أربعة عشر أبا . وقيل أكثر من
--> ( 1 ) تقدم تخريجه ( ص 484 ) وهو حديث ضعيف . ( 2 ) قال تعالى : ( أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين ) [ الصافات : 125 ] .