محمد بن علي الشوكاني
383
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الإحاطة بصيغ الحصر المذكورة تكثر الأدلة الدالة على إخلاص التوحيد ، وإبطال الشرك بجميع أقسامه . واعلم أن السائل - كثر الله فوائده - ذكر في جملة ما سأل عنه أنه لو قصد الإنسان قبر رجل من المسلمين ، مشهور بالصلاح ، ووقف لديه وأدى الزيارة ، وسأل الله بأسمائه الحسنى ، وبما لهذا الميت لديه من المنزلة ، هل تكون هذه البدعة عبادة لهذا الميت ، ويصدق [ 54 ] عليه أنه قد دعا غير الله ، وأنه قد عبد غير الرحمن ، ويسلب عنه اسم الإيمان ، ويصدق على هذا القبر أنه وثن من الأوثان ، ويحكم بردة ذلك الداعي ، والتفريق بينه وبين نسائه ، واستباحة أمواله ، ويعامل معاملة المرتدين ، أو يكون فاعل معصية كبيرة أو مكروه ؟ . وأقول : قد قدمنا في أوائل هذا الجواب أنه لا بأس بالتوسل بنبي من الأنبياء ، أو ولي من الأولياء ، أو عالم من العلماء . وأوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه ، فهذا الذي جاء إلى القبر زائرا ، ودعا الله وحده ، وتوسل بذلك الميت ، كأن يقول : اللهم إني أسألك أن تشفيني من كذا ، وأتوسل إليك بما لهذا العبد الصالح من العبادة لك ، أو المجاهدة فيك ، أو التعلم والتعليم ، خالصا لك ، فهذا لا أتردد في جوازه . لكن لأي معنى قام يمشي إلى القبر ؟ ، فإن كان لمحض الزيارة ولم يعزم على الدعاء والتوسل إلا بعد تجريد القصد إلى الزيارة ، فهذا ليس بممنوع ، فإنه إنما جاء ليزور . وقد أذن لنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بزيارة القبور بحديث : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها " وهو في الصحيح ( 1 ) . وخرج لزيارة الموتى ، ودعا لهم ،
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 977 ) وأبو داود رقم ( 3235 ) والنسائي ( 4 / 89 ) والترمذي رقم ( 1054 ) وزاد : " فإنها تذكر الآخرة " كلهم من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي .