محمد بن علي الشوكاني
350
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بالتوحيد ، ولو كان مجرد التكلم بكلمة التوحيد موجبا للدخول في الإسلام ، والخروج من الكفر ، سواء فعل المتكلم بها ما يطابق التوحيد أو يخالفه لكانت نافعة لليهود ، مع أنهم [ 26 ] يقولون : عزير ابن الله ، وللنصارى مع أنهم يقولون : المسيح ابن الله ، وللمنافقين مع أنهم يكذبون بالدين ، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، وجميع هذه الطوائف الثلاث يتكلمون بكلمة التوحيد ، بل لم تنفع الخوارج ( 1 ) فإنهم من أكمل الناس توحيدا ، وأكثرهم عبادة ، وهم كلاب النار . وقد أمرنا ( 2 ) رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بقتلهم مع أنهم لم يشركوا بالله ، ولا خالفوا معنى لا إله إلا الله ، بل وحدوا الله حق توحيده ، وكذلك المانعون للزكاة هم موحدون لم يشركوا ، ولكنهم تركوا ركنا من أركان الإسلام ، ولهذا أجمعت الصحابة على قتالهم ، بل دل الدليل الصحيح المتواتر ( 3 ) على ذلك ، وهو الأحاديث الواردة بألفاظ منها : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، ويحجوا البيت ، ويصوموا رمضان ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " فمن ترك أحد هذه الخمس فلم يكن معصوم الدم ولا المال ، وأعظم من ذلك تارك معنى التوحيد ، أو المخالف له بما يأتي به من الأفعال . فإن قلت : هؤلاء المعتقدون في الأموات لا يعلمون بأن ما يفعلونه شرك ، بل لو عرض أحدهم على السيف لم يقر بأنه مشرك بالله ، ولا فاعل لما هو شرك ، ولو علم أدنى علم أن ذلك شرك لم يفعله . قلت : الأمر كما قلت ، ولكن لا يخفى عليك ما تقرر في أسباب الردة أنه لا
--> ( 1 ) تقدم التعريف بهم . ( 2 ) أخرج البخاري رقم ( 4351 ) ومسلم رقم ( 1064 ) من حديث أبي سعيد الخدري وفيه " . . إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا ، لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية - وأظنه قال : لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود " . ( 3 ) تقدم تخريجه مع بيان طرقه ( ص 347 - 349 ) .