محمد بن علي الشوكاني
316
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
} فلا تدعوا مع الله أحدا ( 1 ) ونحو قوله تعالى : { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء } ( 2 ) ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النزاع بما هو أجنبي عنه ؛ فإن قوله : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( 3 ) مصرح بأنهم عبدوهم لذلك ، والمتوسل بالعالم مثلا لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك ، وكذلك قوله : { فلا تدعوا مع الله أحدا } ( 4 ) فإنه نهي عن أن يدعى مع الله غيره ، كأن يقول : بالله ويا فلان ، والمتوسل بالعالم مثلا لم يدع إلا الله وإنما وقع منه التوسل إليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم ، وكذلك قوله : { والذين يدعون من دونه } ( 5 ) الآية ، فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ، ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم ، والمتوسل بالعالم مثلا لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ، ولا دعا غيره معه . وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النزاع خروجا زائدا على ما ذكرناه ، كاستدلالهم بقوله تعالى : { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } ( 6 ) [ 6 ] فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المتفرد بالأمر في يوم الدين ، وأنه ليس لغيره من الأمر شيء ، ولا يملك لغيره من الأمر شيئا ، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله - جل جلاله - في أمر يوم الدين ، ومن اعتقد هذا لعبد سواء كان نبيا أو غير نبي فهو في ضلال مبين .
--> ( 1 ) [ الجن : 18 ] . ( 2 ) [ الرعد : 14 ] . ( 3 ) [ الزمر : 3 ] . ( 4 ) [ الجن : 18 ] . ( 5 ) [ الرعد : 14 ] . ( 6 ) [ الانفطار : 17 - 19 ] وانظر " الفتاوى " لابن تيمية ( 1 / 114 - 120 ) .