محمد بن علي الشوكاني
292
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ولا ريب أن الدعاء عند القبور بغير ما ورد عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بدعة ، فقد مات في عصر النبوة أجلاء الصحابة ، ومنهم حمزة أسد الله وأسد رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وشهداء أحد ، وشهداء بدر ، ومات عثمان بن مظعون ( 1 ) الذي بكى عليه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وعلم على قبره بصخرة ليلحق به من مات من أهله . وسعد بن معاذ ( 2 ) الذي اهتز عرش الرحمن لموته ، وغيرهم من أكابر الصحابة ولم يؤثر عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أنه أرشد أحدا من أمته أنه إذا أهمته مهمة ، أو نزلت به حاجة أن يأتي إلى قبر فلان من الصحابة ويقصده في قضاء الحاجات ، ويتوسل به في المهمات . وعرفهم أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - سيموت ، ولم يرشدهم أنه إذا نابتهم نائبة أن يأتون إلى قبره الشريف ، ويدعون عنده ، وقبره سيد القبور ، وعصره خير العصور . بل قال : " لا تتخذوا قبري عيدا " ( 3 ) وعرفهم بالمحلات والأوقات التي تستجاب فيها الدعوات ، ولم يقل إن قبر سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرحمن ، أو قبر سيد الشهداء ترياق مجرب لقضاء الحاجات ونيل الطلبات . فتعمد القبور للأدعية لديها ، والتوسل بأهلها لا يخفى على متحل بالإنصاف ، متخل عن الاعتساف أنه بدعة لم يأت بها أثر عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ولا عن أصحابه - رضي الله عنهم - ولا عن التابعين . وخير الأمور السالفات على الهدى . . . وشر الأمور المحدثات البدائع [ 5 ] ويكفي المتدين بدين الإسلام قوله - عليه الصلاة والسلام - : " كل عمل ليس عليه
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي رقم ( 989 ) وأبو داود رقم ( 3163 ) وابن ماجة رقم ( 1456 ) عن عائشة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكى . أو قال عيناه تزرفان . وهو حديث صحيح . ( 2 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 3803 ) ومسلم رقم ( 2496 ) من حديث جابر . ( 3 ) سيأتي تخريجه ( ص 325 ) .