محمد بن علي الشوكاني

293

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

أمرنا فهو رد " ( 1 ) . فأقل أحوال الممتثل للحديث أن ينظر هل جاء بقصد القبور لقضاء الحاجات أمر من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أو فعل ، أو تقرير ؟ فإن جاء فبها ونعمت ، وإن لم يجئ شيء من ذلك عرف أنه مردود . فإن قيل : زيارة القبور سنة مثاب عليها جاءت بها السنة قولا وفعلا وتقريرا ، فإذا دعا الداعي بعد الزيارة ، فإن الدعاء بعد عمل الصالحات من مظان الإجابة ، وهو إن لم يرد بخصوصه فهو داخل فيما ذكروه من تقديم عمل صالح قبل الدعاء . قلت : لا ريب أن زيارة القبور من أجل الطاعات ، وأن الدعاء بعد العمل الصالح من مظان الإجابة ، ولعله - والله أعلم - حمل ابن الجزري وغيره على ما قالوه من استجابة الدعاء عند قبور الصالحين ، فإن رحمة الله لا تعزب عن قبورهم ، لكن الاعتبار بالمقاصد ، فإن كان قصد الزائر إنما هو التوسل بالميت الصالح ، فهذا هو الذي نعده بدعة ، وإن كان القصد الزيارة للقبور فتلك سنة مثاب فاعلها ، والدعاء بعدها مظان الإجابة . وقد أجمع المسلمون إجماعا فعليا على الدعاء بعد زيارة قبر الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فإن الزائر بعد إكمال الزيارة يتوجه إلى القبلة ، ويستدبر القبر الشريف ، وقد يستقبل بعض الناس القبر الشريف ويدعو ، وهذا لا إنكار فيه من أحد ، فالمأمون من مولانا

--> ( 1 ) أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 2697 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 1718 ) وأحمد ( 6 / 73 ، 270 ) وأبو داود رقم ( 4606 ) وابن ماجة رقم ( 14 ) والدارقطني في السنن ( 4 / 224 - 225 ، 227 ) والبيهقي ( 10 / 119 ) والقضاعي في مسند الشهاب ( 1 / 231 رقم 359 ) وابن عدي في الكامل ( 1 / 247 ) والطيالسي في المسند ( ص 202 رقم 1422 ) كلهم من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا بلفظ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " . وأخرج البخاري في " خلق أفعال العباد " ص 43 ، وأحمد في المسند ( 6 / 146 ، 180 ، 240 ، 256 ، 270 ) والبغوي في شرح السنة ( 1 / 211 رقم 103 ) . وابن حجر في " تغليق التعليق " ( 3 / 397 ) كلهم بلفظ : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " . وأخرج ابن حجر في " تغليق التعليق " ( 3 / 398 ) بلفظ : " من فعل أمرا ليس عليه أمرنا فهو رد " .