محمد بن علي الشوكاني
269
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وقد طفت في تلك المعاهد كلها . . . وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر . . . على ذقن أو قارعا سن نادم ( 1 ) وها أنا أخبرك عن نفسي ، وأوضح لك ما وقعت فيه في أمسي ، فإني في أيام الطلب ، وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سموه تارة علم الكلام ، وتارة علم التوحيد ، وتارة علم أصول الدين ، وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم ، ورمت الرجوع بفائدة ، والعود بعائدة ، فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة ، وكان ذلك من الأسباب التي حببت إلي مذهب السلف ، على أني كنت قبل ذلك عليه ، ولكن أردت أن أزداد فيه بصيرة ، وبه شغفا ، وقلت عند النظر في تلك المذاهب : وغاية ما حصلته من مباحثي . . . ومن نظري من بعد طول التدبر هو الوقف ما بين الطريقين حيرة . . . فما علم من لم يلق غير التحير على أنني قد خضت منه غماره . . . وما قنعت نفسي بدون التبحر [ 5 ب ] ( 2 ) . وأما الكلمة الثانية ، وهي { ليس كمثله شيء } ( 3 ) فبها يستفاد نفي المماثلة في كل شيء ، فيدفع بهذه الآية في وجه المجسمة ، ويعرف بها الكلام عند وصفه سبحانه بالسميع والبصير ، وعند ذكر السمع والبصر واليد والاستواء ونحو ذلك مما اشتمل عليه الكتاب والسنة ، فيقرر بذلك الإثبات لتلك الصفات لا على وجه المماثلة والمشابهة للمخلوقات ، فيندفع به جانبي الإفراط والتفريط ، وهما المبالغة في الإثبات ، المفضية إلى التجسيم ، والمبالغة في النفي المفضية إلى التعطيل ، فيخرج من بين الجانبين وغلو الطرفين
--> ( 1 ) وقد نسب ابن خلكان هذه الأبيات لابن سينا كما في ديوان الصنعاني ص 369 . وهى في نهاية الأقدام ص 3 للشهرستاني . ( 2 ) للشوكاني في ديوانه ص 189 . ( 3 ) [ الشورى : 11 ]