محمد بن علي الشوكاني

259

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

فعند ذلك أطلع المنكمشون [ 2 ب ] في تلك الزوايا رؤوسهم ، وانطلق ما كان قد خرس من ألسنتهم ، وأعلنوا بمذاهبهم الزائفة ، وبدعهم المضلة ، ودعوا الناس إليها ، وجادلوا عنها ، وناضلوا المخالفين لها حتى اختلط المعروف بالمنكر ، واشتبه على العامة الحق بالباطل ، والسنة بالبدعة . ولما كان الله سبحانه قد تكفل بإظهار دينه على الدين كله ( 1 ) ، وبحفظه عن التحريف ( 2 ) ، والتغيير والتبديل ، أوجد من علماء الكتاب والسنة في كل عصر من العصور من يبين للناس دينهم ، وينكر على أهل البدع بدعهم ، فكان لهم - ولله الحمد - المقامات المحمودة ، والمواقف المشهودة في نصر الدين ، وهتك المبتدعين . وبهذا الكلام القليل الذي ذكرنا ، وتعرف أن مذهب السلف ( 3 ) من الصحابة [ رضي الله عنهم ]

--> ( 1 ) قال تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) [ التوبة : 33 ] . ( 2 ) قال تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [ الحجر : 9 ] ( 3 ) يقوم على دعائم أربع : 1 - ) الإثبات المفصل المجمل لكل صفة كما ورد بها النص ، فيتحقق بهذا قوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) [ الأعراف : 180 ] وقوله تعالى : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) [ الإسراء : 110 ] . وقد تضمنت هذه الدعامة الإيمان بكل صفة لله تعالى كما وردت في الكتاب والسنة . 2 - ) الدعامة الثانية : التنزيه ، وعدم التكييف والتشبيه . فيتحقق بهذا قوله تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) [ الشورى : 11 ] . وقوله تعالى : ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) [ الصافات : 180 ] ولذلك تضمنت هذه الدعامة تنزيه صفات الرب تعالى عن مشابهة صفات خلقه . 3 - ) الدعامة الثالثة : عدم التأويل المفضي إلى التعطيل . فيتحقق بهذا قوله تعالى : ( وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [ الأعراف : 180 ] . والتعطيل : إلحاد في أسماء الله وصفاته . وقد تضمنت هذه الدعامة إثبات كل صفة على الحقيقة كما ورد بها النص من غير صرف له إلى معنى آخر غير ظاهر . 4 - ) الدعامة الرابعة : العلم بالله تعالى والمعرفة به من خلال صفاته فيتحقق بهذا قوله تعالى : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) [ ص : 29 ] . وقد تضمنت هذه الدعامة أن السلف كانوا يعلمون معاني الصفات ويفرقون بينها بحسب ما دلت عليه مما تعرفه العرب من لسانها فالعلم غير الحياة ، والإتيان غير الاستواء على العرش ، واليد غير الوجه ، وهكذا سائر الصفات . انظر : " الرسالة في اعتقاد أهل السنة " ص 3 - 4 و " مجموع الفتاوى " ( 6 / 518 ) .