محمد بن علي الشوكاني
258
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الصفات ، وما كان من المتكلمين فيها بغير الحق ، المتكلف علم ما لم يأذن الله بأن يعلموه ، وبيان أن إمرار أدلة الصفات على ظاهرها هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وأن كل من أراد من نزاع المتكلفين ، وشذاذ المحدثين ، والمتأولين أن يظهر ما يخالف المرور على ذلك الظاهر ، قاموا عليه ، وحذروا الناس منه ، وبينوا لهم أنه على خلاف ما عليه أهل الإسلام . فصار المبتدعون في الصفات ، القائلون بأقوال تخالف ما عليه السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وتابعيهم في خبايا وزوايا لا يتصل بهم إلا مغرور ، ولا ينخدع بزخارف أقوالهم إلا مخدوع ، وهم مع ذلك على تخوف من أهل الإسلام ، وترقب لتزول مكروه بهم من حماة الدين ، من العلماء الهادين ، والرؤساء والسلاطين ، حتى نجم ناجم المحنة ، وبرق بارق الشر من جهة الدولة ( 1 ) ، ومن لهم في الأمر والنهي والإصدار والإيراد أعظم صولة ، وذلك في الدولة بسبب قاضيها أحمد بن أبي دؤاد ( 2 ) .
--> ( 1 ) في عهد الدولة العباسية كانت محنة القول بخلق القرآن ، التي ثبت فيها علماء الأمة أمام زخم البدعة فأيد الله بهم هذا الدين . انظر : " مناقب الإمام أحمد بن حنبل " للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ص 387 - 420 . ( 2 ) أحمد بن أبي دؤاد بن جرير ، أبو عبد الله القاضي الأيادي . يقال إن اسم أبي دؤاد : الفرج . . . والصحيح أن اسمه كنيته . ولي ابن أبي دؤاد قضاء القضاة للمعتصم ، ثم للواثق ، وكان موصوفا بالجود والسخاء ، وحسن الخلق ، ووفور الأدب ، غير أنه أعلن بمذهب الجهمية ، وحمل السلطان على الامتحان بخلق القرآن . قال الحسن بن ثواب : قال : سألت أحمد بن حنبل عمن يقول : القرآن مخلوق ؟ قال : كافر . قلت : فابن دؤاد ؟ قال كافر بالله العظيم . قلت . بماذا كفر ؟ قال : بكتاب الله تعالى ، قال الله تعالى : ( ولئن اتبعت أهواءكم بعد الذي جاءك من العلم ) فالقرآن من علم الله ، فمن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم . وقال عبد العزيز بن يحيى المكي : دخلت على أحمد بن دؤاد وهو مفلوج ، فقلت : إني لم آتك عائدا ، ولكن جئت أحمد الله على أنه سجنك في جلدك . ولد أحمد بن أبي دؤاد سنة ستين ومائة بالبصرة ، ومات في المحرم سنة أربعين ومائتين يوم السبت لسبع بقين منه ، ودفن في داره ببغداد وصلى عليه ابنه العباس . انظر : تاريخ بغداد ( 4 / 141 - 156 رقم 1825 ) .