محمد بن علي الشوكاني
256
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وقالوا : إن الأمر أنف ( 1 ) فتبرءوا منه ، وبينوا ضلالته ، وبطلان مقالته للناس ، فحذروه إلا من ختم الله على قلبه ، وجعل على بصره غشاوة . وهكذا كان من بعدهم ، يوضح للناس بطلان أقوال أهل الضلال ، ويحذرهم منها ، كما فعله التابعون - رحمهم الله - بالجعد بن درهم ( 2 ) ، ومن قال بقوله ، وانتحل نحلته الباطلة
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه ( 1 / 36 - 37 رقم 1 / 8 ) عن يحيى بن يعمر ، قال : كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني . فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا : لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر . فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد . فاكتنفته أنا وصاحبي ، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله . فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي . فقلت : أنا عبد الرحمن ! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفزون العلم . وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر . وأن الأمر أنف ، قال : فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم ، وأنهم برآء مني . والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر . إنما الأمر أنف : أي مستأنف استئنافا من غير أن يكون سبق به سابق قضاء وتقدير ، وإنما هو مقصور على اختيارك ودخولك فيه . النهاية ( 1 / 75 ) . ولسان العرب ( 1 / 238 ) . ( 2 ) الجعد بن درهم ، عداده في التابعين ، مبتدع ضال . زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يكلم موسى ، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر ، والقصة مشهورة . " وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة " : منها : أنه جعل قارورة ترابا وماء فاستحال دودا وهوام ، فقال : أنا خلقت هذا لأنني كنت سبب كونه فبلغ ذلك جعفر بن محمد ، فقال : ليقل كم هو - وكم الذكران منه والإناث - إن كان خلقه ، وليأمر الذي يسعى إلى هذا أن يرجع إلى غيره ، فبلغه ذلك فرجع " اه - . ولما ظهر قول الجعد بخلق القرآن تطلبه بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول عنه ولم يكن له كثير أتباع غيره . ثم يسر الله تعالى قتل الجعد على يد خالد بن عبد الله القسري الأمير ، قتله يوم عيد الأضحى بالكوفة ، وذلك لأن خالدا خطب الناس فقال في خطبته تلك : أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم ، فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر . أخرجه البخاري في " خلق أفعال العباد " رقم ( 3 ) و " التاريخ الكبير " ( 1 / 64 ) والدارمي في الرد على الجهمية . ص 7 ، 13 وفي " الرد على المريسي " ص 118 . والبيهقي في الأسماء والصفات ص 254 ، وفي " السنن الكبرى " ( 10 / 205 - 206 ) والآجري في الشريعة ( ص 97 ، 328 ) . وإسناده ضعيف لجهالة محمد بن حبيب . وقال الألباني في " مختصر العلو " : لكنه يتقوى بالذي بعده ، فإن إسناد خبر منه ولعله لذلك جزم العلماء بهذه القصة . انظر البداية والنهاية لابن كثير ( 9 / 364 - 365 ) . الميزان ( 1 / 399 رقم 1482 ) ولسان الميزان ( 2 / 105 ) .