محمد بن علي الشوكاني
254
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ثم أخذت كل طائفة من هذه الطوائف الثلاث تجادل وتناضل ، وتحقق وتدقق [ 1 ب ] في زعمها ، وتجول على الأخرى وتصول بما ظفرت مما يوافق ما ذهبت إليه { كل حزب بما لديهم فرحون } ( 1 ) ، وعند الله تلتقي الخصوم . ومع هذا فهم متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم ، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم . فكان غاية ما ظفروا به من هذه الأعلمية لطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز ، وقالوا هنيئا للعامة . فتدبر هذه الأعلمية التي كان حاصلها أن يهنئ من ظفر بها لأهل الجهل البسيط ، ويتمنى أنه في عدادهم ، وممن يدين بدينهم ، ويمشي على طريقتهم ، فإن هذا ينادي بأعلى صوت ، ويدل بأوضح دلالة على أن هذه الأعلمية التي طلبوها ، الجهل خير منها بكثير ، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه أن الجهل خير منه ، ويتمنى عند البلوغ إلى غايته والوصول إلى نهايته أن يكون جاهلا به ، عاطلا عنه ! . ففي هذا عبرة للمعتبرين ، وآية بينة للناظرين ، فهلا عملوا على جهل هذه المعارف التي دخلوا فيها بادئ بدء ، وسلموا من تبعاتها ، وأراحوا أنفسهم من تعبها ، وقالوا كما قال القائل : أرى الأمر يفضي إلى آخر . . . فصير آخره أولاً وربحوا الخلوص من هذا التمني ، والسلامة من هذه التهنئة للعامة ، فإن العاقل لا يتمنى رتبة مثل رتبته ، أو دونه ، ولا يهنئ لمن هو مثله أو دونه ، بل يكون ذلك لمن رتبته أرفع من رتبته ، ومكانه أعلى من مكانه . فيالله العجب من علم يكون الجهل البسيط أعلى رتبة منه ، وأفضل مقدارا بالنسبة إليه ! وهل سمع السامعون مثل هذه الغريبة ، أو نقل الناقلون ما يماثلها ويشابهها ؟ ! وإذا كان هذا حال هذه الطائفة التي قد عرفناك أنها أخف الطوائف تكلفا ، وأقلها تبعة ، فما ظنك بما عداها من الطوائف التي قد ظهر فساد مقاصدها ، وتبين بطلان
--> ( 1 ) [ الروم : 32 ]