محمد بن علي الشوكاني

251

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

فإن هذا المقام طال فيه النزاع ، وحارت فيه الأفهام ، وزلت الأقدام ، وكل يدعي الصواب بزخرف الجواب ، فأبينوا المدعى بالدليل ، وبينوا طريق الحق بالتفصيل والتطويل ، ضاعف الله لكم الأجور ، ووقاكم الشرور ، آمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . انتهى . وأقول : اعلم أن [ 1 أ ] الكلام في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات قد طالت ذيوله ، وتشعبت أطرافه ، وتباينت فيه المذاهب ، وتفاوتت فيه الطرائق ، وتخالفت فيه النحل . وسبب هذا : عدم وقوف المنتسبين إلى العلم حيث أوقفهم الله ، ودخولهم في أبواب لم يأذن الله لهم بدخولها ، ومحاولتهم لعلم شيء استأثر الله بعلمه ، حتى تفرقوا فرقا ، وتشعبوا شعبا ، وصاروا أحزابا ، وكانوا في البداية ، ومحاولة الوصول إلى ما يتصورونه من العامة ، مختلفي المقاصد ، متبايني المطالب . فطائفة : وهي أخف هذه الطوائف المكلفة علم ما لم يكلفها الله سبحانه بعلمه إثما ، وأقلها عقوبة وجرما - وهي التي أرادت الوصول إلى الحق ، والوقوف على الصواب ، لكن سلكت في طلبه طريقة متوعرة ، وصعدت في الكشف عنه إلى عقبة كئود لا يرجع من سلكها سالما ، فضلا أن يظفر فيها بمطلوب صحيح . ومع هذا ، أصلوا أصولا ظنوها حقا ، فدفعوا بها آيات قرآنية ، وأحاديث صحيحة نبوية ، واعتلوا في ذلك الدفع بشبه واهية ، وخيالات مختلة . وهؤلاء هم طائفتان : الطائفة الأولى : هي الطائفة التي غلت في التنزيه ، فوصلت إلى حد يقشعر عنده الجلد ، ويضطرب له القلب ، من تعطيل ( 1 ) الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ثبوتا أوضح

--> ( 1 ) وهم نفاة الصفات ، قال ابن تيمية في شرح حديث النزول ص 74 - 75 : ولهذا كان السلف والأئمة يسمون نفاة الصفات : ( معطلة ) ؛ لأن حقيقة قولهم : تعطل ذات الله تعالى ، وإن كانوا هم قد لا يعلمون أن قولهم مستلزم للتعطيل ، بل يصفونه بالوصفين المتناقضين ، فيقولون : هو موجود قديم واجب ، ثم ينفون لوازم وجوده فيكون حقيقة قولهم : موجود ليس بموجود حق ليس بحق ، خالق ليس بخالق ، فينفون عنه النقيضين إما تصريحا بنفيهما ، وإما إمساكا عن الإخبار بواحد منهما . فلا يقولون موجود ولا موجود ، ولا حي ولا حي ، ولا عالم ولا عالم قالوا ؛ لأن وصفه بالإثبات تشبيه له بالموجودات ، ووصفه بالنفي فيه تشبيه له بالمعدومات فآل بهم إغراقهم في نفى التشبيه إلى أن وضعوه بغاية التعطل .