محمد بن علي الشوكاني
252
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
من شمس النهار ، وأظهر من فلق الصبح ، وظنوا هذا من صنيعهم موافقا للحق ، مطابقا لما يريده الله سبحانه ، فضلوا الطريق المستقيم ، وأضلوا من رام سلوكها . والطائفة الأخرى : هي الطائفة التي غلت في إثبات القدرة غلوا بلغ إلى حد أنه لا تأثير لغيرها ، ولا اعتبار بما سواها ، وأفضى ذلك إلى الجبر المحض ( 1 ) والقسر الخالص
--> ( 1 ) الجبر : وهو القول بالجبر الذي يقول به الجبرية ، وهم الذين ينفون قدرة العبد ومشيئته ، وأوضح فرقة تمثل هذا الاتجاه الجهمية الذين يردون كل شيء إلى الله والعبد عندهم أشبه ما يكون بريشة في مهب الريح . وقد أنكره السلف والأئمة ، حيث توسل بذلك قوم إلى إسقاط الأمر والنهي والوعد والوعيد ، وأنكر من أنكر منهم ما جعله الله تعالى من الأسباب حتى خرجوا عن الشرع والعقل ، وقالوا : إن الله يحدث الشبع والري عند وجود الأكل والشرب لا بهما ، ويحدث النبات عند نزول المطر لا به . وهذا خلاف ما جاء به الكتاب والسنة قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } [ الأعراف : 57 ] . وكره السلف أن يقال ( جبر ) وأن يقال ما جبر . قال الأوزاعي : " ما أعرف للجبر أصلا من القرآن والسنة ، فأهاب أن أقول ذلك ، ولكن القضاء والقدر والخلف والجبل ، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنما وصفت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق " . وروي عن الزبيدي عندما سئل عن ( الجبر ) قال : " أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل ، ولكن يقضي ويقدر ، ويخلق ويجبل عبد على ما أحب " . انظر : بغية المرتاد ( ص 261 - 263 ) وشرح حديث النزول ( ص 252 - 253 ) .