محمد بن علي الشوكاني
222
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ينافي الخطأ على كل حال ، والمصيب من الصواب لا ينافي الخطأ الذي ثبت عليه الأجر كخطأ المجتهد . ولا يخفاك أن هذا الكلام وإن كان صحيحا في نفسه لكن لا يصلح لتأويل قول من قال بأن كل مجتهد مصيب ، فإن كلامهم لا يحتمل هذا التأويل لتصريحهم بأنه مصيب للحق . ولا ريب أن هذا هو معنى الإصابة لا سيما عند من قال منهم : إن حكم الله تابع لنظر المجتهد ، ولقد أحسن من قال إنهم شابهوا هذه المقالة الفرقة التي يقال لها العندية من فرق السوفسطائية ( 1 ) فإنهم ثلاث فرق : عندية وعنادية واللادرية وأقوالهم خارجة عن القوانين العقلية ؛ لأن القائل يقول لأحدهم : أنت موجود فيقول : لا ، فيقول له : فما هذا الشبح الذي أراه ، والكلام الذي أسمعه ، والحس الذي أدركه ؟ فيقول : وجودي ثابت عندك لا عندي ، وهذه هي الفرقة العندية . وأما الفرقة العنادية فيقول له القائل : أنت موجود ويستدل على ذلك بنحو ما تقدم فيكابر ويصمم على أنه لا وجود له ، وإنما ذلك خيال عرض للمدعي للوجود ، فلما كان هذا عنادا قيل لهذه الفرقة : عنادية . وأما الفرقة الثالثة أعني التي يقال لها اللادرية ، فإنه يقال له : أنت موجود فيقول : لا أدري ، فيقال له : فما هذا الشبح المرئي والصوت المسموع ، فيقول : لا أدري ، ولقد أحسن من قال من علماء المعقول إن هؤلاء لا يناظرون إلا بالضرب المؤلم ، فإذا استغاثوا قيل لهم : ألم تقولوا إنه لا وجود لكم ؟ وهذا وإن كان فيه خروجا [ 41 ] عما نحن بصدده ففيه أيضًا فائدة اقتضاها ذكر ما قاله ذلك القائل .
--> ( 1 ) السوفسطائية : طائفة من اليونانيين ظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد ، تقوم فلسفتهم على إنكار حقائق الأشياء ، ويزعمون أنه ليس هاهنا ماهيات مختلفة وحقائق متمايزة فضلا عن ، اتصافها بالوجود ، بل كلها أوهام لا أصل لها . وكانوا يفاخرون بتأييد القول الواحد ونقيضه على السواء وبإيراد الحجج الخلابة في مختلف المسائل والمواقف ، اشتهر منهم بروتاغوراس ، وغورغياس . انظر : قصة الحضارة . ول ديورانت ( 7 / 212 ) . تاريخ الفلسفة اليونانية - يوسف كرم - 57