محمد بن علي الشوكاني

223

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ولا ريب أن كل واحد من المصوبة يدعي لنفسه أنه مصيب ويعترف لخصمه بأنه مصيب ، فكان هذا شبيها مما تقوله العندية . ويا عجبا لقوم جعلوا مراد الله عز وجل أحدا دائرا بين المرادات وتابعا لنظر المجتهدين ، والتزموا إنصاف العين الواحدة بأنها حلال بتحليل هذا المجتهد لها ، وحرام بتحريم هذا المجتهد لها ، وأن الله سبحانه شرع لعباده فيها أنها حلال وأنها حرام ، وقد يتوقف الحكم من الله عز وجل بالحل أو الحرمة على وجود مجتهد يوجد في آخر الأزمنة ، وقد يرتفع ما شرعه الله من الحل أو الحرمة بموت المجتهد وعدم المتابع له . وبالجملة فهذا تلاعب لا مزيد عليه وهذيان لا يجوز نسبة مثله إلى أعجز العباد فكيف ينسب إلى أحكم الحاكمين ، وليس لهم على هذه المقالة الساقطة أثارة من علم ولا ألجأهم إليها دليل عقل ولا نقل ، بل مجرد خيالات مختلة ودعاوى ( مضلة ) . والحاصل أن الأدلة الدالة على هدم هذه المقالة كثيرة جدا وهي محتملة لإفرادها بالتصنيف ، وقد كان قرن الصحابة الذي هو خير القرون يصرحون بتخطئة بعضهم بعضا في غير مسألة ، ويخشى بعضهم على بعض إذا رآه قد أخطأ في اجتهاده ، والواقعات في هذا كثيرة جدا قد اشتملت عليها كتب الأحاديث والسير فارجع إليها ، فإن ذلك يغنيك عن التطويل هنا [ 42 ] . وأما ما ذكره السائل من قوله : فمن أين لنا العلم بالمصيب وما علامته . فأقول : إن كان هذا الذي يريد أن يعرف المصيب مجتهدا فلم يتعبده الله بذلك بل تعبده بأن يعرف الصواب ، ومعرفة الصواب تحصل له بأن ينظر في أدلة الكتاب والسنة نظرا يحصل له عنده الظن القوي بأنه قد أحاط بما يتعلق بما ينظر فيه من المسائل من الأدلة الدالة عليها ، فإذا فعل ذلك جمع بين ما كان ظاهره التخالف منها جمعا مقبولا ، فإن تعذر الجمع رجع إلى الترجيح ، وقدم الراجح على المرجوح وعمل به . وطرق الجمع ( 1 )

--> ( 1 ) انظر : تيسير التحرير ( 3 / 161 ) مجموع فتاوى ( 9 1 / 201 - 267 ) ( 22 / 368 ) المستصفى ( 2 / 392 ) .