محمد بن علي الشوكاني
131
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وفي صحيح البخاري ( 1 ) في تفسير سورة { والليل إذا يغشى } عن علي - رضي الله عنه - حديث قد أحطتم به علما ، أم يكون ذلك الفعل من العبد خلقا ( 2 ) وصنعة ، ، لا كسبا وصورة ، لإضافته إليه في كثير من الآيات ، ولجواز تخصيص تلك العموميات بغير القبيح السيئ ، مع أن دلالة العموم ظنية ، ، وإن كانت كلية ، ولقيام الحجة على المكلف باستقلاله ، وعدم بطلان المحجة في [ إلجائه ] ( 3 ) وأعماله . وهاهنا نكتة يحصل للقاصر عندها البهتة ، وهي : أن القائلين بالأول يقولون : إن خلافه فيه إثبات شركاء لله ، يتصرفون بغير إذن الله ، وأن الإنكار والخلاف ( 4 ) إنما هو
--> ( 1 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري رقم ( 45 ، 49 ، 4946 ، 4947 ، 4948 ، 4949 ) من حديث علي قال : " كنا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بقيع الغرقد في جنازة فقال : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ، فقالوا : يا رسول الله أفلا نتكل ؟ فقال : اعملوا فكل ميسر ثم قرأ { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى . . . } إلى قوله { للعسرى } " . قلت : وأخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2647 ) وأبو داود رقم ( 4694 ) والترمذي رقم ( 3344 ) وابن ماجة رقم ( 78 ) وأحمد ( 1 / 82 ، 119 ، 132 ، 140 ) . ( 2 ) وهو قول المعتزلة حيث يقول القاضي عبد الجبار : وهو يتكلم عن خلق الأفعال : " . . . والغرض به الكلام في أن أفعال العباد غير مخلوقة ، وأنهم المحدثون لها " . ويقول في موضع آخر : " اتفق كل أهل العدل عن أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم ، وأن الله عز وجل أقدرهم على ذلك ، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم ، وأن من قال أن الله سبحانه وتعالى خالقها ومحدثها فقد عظم خطؤه وأحالوا حدوث فعل من فاعلين " . انظر : شرح الأصول الخمسة ص 323 . وقولهم هذا مخالف لأهل السنة . فقد قال ابن حزم في الفصل ( 3 / 41 ) : وذهب أهل السنة كلهم . . . . إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة خلقها الله عز وجل في الفاعلين لها " . ( 3 ) كلمة غير واضحة في الأصل وما أثبتناه من رسالة " العذب النمير " . ( 4 ) ذلك أن المعتزلة ترى أن قبح الأشياء وحسنها والعقاب عليها والثواب ثابت عقلا ، فهم يرون أن هناك تلازم بين إدراك قبحها ، وبين العقاب عليها - شرح الأصول الخمسة ص 484 . فيقال لهم : إنه لا تلازم بين هذين الأمرين ، فالأفعال في نفسها حسنة وقبيحة . لكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي ، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحا موجبا للعقاب مع قبحه في نفسه ، بل هو في غاية القبح والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل : فمثلا : الكذب والزنا : كلها قبيحة في ذاتها والعقاب عليها مشروط بالحكم الشرعي وقد دل القرآن على أنه لا تلازم بين الأمرين ، وأنه تعالى لا يعاقب إلا بإرسال الرسل ، وأن الفعل نفسه حسن أو قبيح ، قال تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } " [ الإسراء : 15 ] . ففي هذه الآية إشارة إلى أن العذاب لا يكون إلا بعد بعثة الرسل ، وذلك دليل على أن العقاب لا يثبت إلا بالحكم الشرعي ، وقال تعالى : { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } [ الملك : 8 - 9 ] . وهي دليل على أن العقاب لا يثبت إلا بالشرع بدليل أن الخزنة لم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل ، بل للنذر ، وبذلك دخلوا النار ، وهذا مما يبطل قول المعتزلة أن العقاب على القبائح ثابت بالعقل قبل ورود الشرع . وانظر : مدارج السالكين ( 1 / 231 - 235 ) . وقال ابن القيم قي مدارج السالكين ( 1 / 231 - 232 ) : والحق الذي لا يجد التناقض إليه سبيلا . . . أن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة ، كما أنها نافعة وضارة . ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحا موجبا للعقاب مع قبحه قي نفسه ، بل هو في غاية القبح ، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل ، فالسجود للشيطان والكذب والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذاتها ، والعقاب عليها مشروط بالشرع . . إلى أن قال وكثير من الفقهاء من الطوائف الأربع يقولون : قبحها ثابت بالعقل والعقاب متوقف على ورود الشرع . .