محمد بن علي الشوكاني
1355
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وورد في ذمه من كلام الحكماء ، ومواعظ الفصحاء ما يتعظ به كل ذي عقل ، ويزجر به كل من له فهم لما ينشأ عن هذه الخصلة السيئة القبيحة من مفاسد الدين والدنيا . والحاصل أن قبحه مما اتفقت عليه الشرائع ، وتطابقت على ذمة كتب الله المنزلة على أنبيائه ، واتحدت كلمة رسل الله - سبحانه - على قبحه وقبح فاعله . واعلم أن لكل مقام مقالا ، فينبغي للإنسان عند ملاقاة من له اشتغال بعمل من الأعمال أن يأخذ في توصيته ، مما ينتفع به فيما هو بصدده لمن كان مشتغلا مثلا بالعلم ، أن يوصيه بحسن النية أولا ، ثم بالاشتغال . مما يعود نفعه عليه من الكتاب والسنة ، وما يتوصل به إليهما ، ويعن على فهمهما ، وكيفية العمل هما ثانيا ، ثم الإنصاف وعدم التعصب لمذهب من المذاهب ثالثا ، ثم الإرشاد إلى الرد إلى كتاب الله - سبحانه - وسنة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عند الاختلاف رابعا . ثم هكذا يأخذ مع أهل كل صناعة بتوصيتهم . مما ينتفعون به في صناعتهم ، ويحفظون به دينهم في مباشراتهم . فلا نطيل الكلام في تعداد أهل الحرف ، وأنواع أهل الأعمال ، [ 11 ب ] فإنه لا يخفى على الذكي الممارس للباس العارف بقواعد الشرع ما يتعلق به النفع أو الضر لكل طائفة من هذه الطوائف ، فيأخذ مع كل طائفة فيما يهمها ويخشى منه ضررها ، ويرجو فيه نفعها . وبالجملة فهذه الآية كما تدل على ما ذكرنا فقد دل على ذلك الآيات والأحاديث الواردة في الأمر بالمعروف ( 1 ) والنهي عن المنكر ، ودل على ذلك أيضًا قوله تعالى :
--> ( 1 ) قال تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ ِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } آل عمران : 104 وقال تعالى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } آل عمران : 110 وقال سبحانه وتعالى { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } المائدة : 78 - 79 أخرج مسلم في صحيحة رقم ( 49 ) وأبو داود رقم ( 1140 ) و ( 4340 ) والترمذي رقم ( 2173 ) والنسائي ( 8 / 111 ) وابن ماجة رقم ( 4013 ) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : عن رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن يستطع فبلسانه ، فإن أيستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان وهو حديث صحيح . أخرج البخاري في صحيحة رقم ( 2493 ) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي قال : " مثل القائم في حدود الله ، والواقع فيها ، كمثل قوم . استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا : لو أ ، لا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وما أرادوا ، هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجو ونجوا جميعا " وهو حديث صحيح .