محمد بن علي الشوكاني

1352

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

فإن قلت : قد تكلمت على مفردات هذه الآية ، أعني قوله - سبحانه - { وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } ولم تتكلم على مجموعها من حيث محلها ، والعرض الذي سيقت له ؟ قلت : هي مبتدأة قسمية إنشائية لا محل لها ( 1 ) من الإعراب . وأما العرض الذي سيقت له فهو ترهيب عباد الله - سبحانه - عن معاصيه ، وإهمال م ! ا أوجبه على عباده من الإيمان ، والعمل ، وترغيبهم بالإيمان وعمل الصالحات ، وإن ذلك هو الذي يكون به خروجهم من ظلمات الخسر إلى أنوار الإيمان والطاعة ، فمن ألقى السمع وهو شهيد [ 10 ب ] إلى هذا الوعد والوعيد ، والترغيب والتهديد جذبه ذلك إلى خير البداية والنهاية ، ونعم الدنيا والآخرة ، ونجا من دركات الخسران ، ووصل إلى درجات الجنان . ومعلوم أن العقلاء من هذا النوع الإنساني يطلبون الوصول إلى النعيم الأبدي ، والعيش الذي لا ينقطع ولا يغني ، لأن نعيم الدنيا وإن بلغ في الحسن والرفاهة إلى أرفع الرتب ، وأعلى المنازل فهو مكدر بأنه زائل ذاهب ، والانتقال عنه قريب وإن ظنه من طاوع كواذب الآمال بعيدا ، وكل عاقل يعلم أن كل نعيم يزول ، وكل نعمة تذهب ، فيكون حزنها أكثر من سرورها ، وغمها أعظم من الفرح لها . وقد أحسن المتنبي ( 2 ) حيث يقول : أشد الغم عندي في سرور . . . تيقن عنه صاحبه انتقالا

--> ( 1 ) الواو حرف قسم وجر ، والعصر مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف وجملة إن الإنسان . . . . جواب القسم لا محل لها ، وإن واحمها واللام المزحلقة وقي خمس خبر إن . وانظر : إعراب القرآن الكريم وبيانه محي الدين الدرويش ( 10 / 572 - 573 ) . ( 2 ) في ديوانه ( 3 / 224 ) . وقال أبو البقاء : المعنى يحث على الزهد في الدنيا لمن رزق فيها سرورا ومكانة ، لعلمه أنه زائل عنها . يقول : السرور الذي تيقن صاحبه الانتقال عنه هو أشد الغم ، لأنه يراعي وقت زواله ، ولا يطيب له ذلك السرور .