محمد بن علي الشوكاني

1350

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

{ ثم رددنه أسفل سافلين } عبدة الأوثان من اللات والعزى ، والمراد بقوله : { إلا الذين آمنوا } أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي . ولكن في إسناد هذا الحديث مجهول ، فلا تقوم به حجة . وأما على تفسير الجمهور فلا ، وهو الظاهر الذي يدلا عليه قوله : { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } أي في أحسن شكل وتعديل { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } أي إلى أرذل العمر وهو الهرم ( 1 ) والضعف بعد الشباب والقوة . ولابد على هذا التفسير من حمل الاستثناء على الانقطاع ، أي لكن الذين امنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ، ووجه ذلك أن الهرم والرد إلى أرذل العمر يصاب به المؤمن كما يصاب به الكافر ، فلا يكون الاستثناء متصلا ، ففي التفسير الأول مرجح ، وهو حمل الاستثناء على الاتصال الذي هو أصله ، وللتفسير الثاني الذي هو تفسير الجمهور مرجح وهو قوله : { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } فإن قلت : هل يمكن حمل الاستثناء على الاتصال على ما يطابق تفسير الجمهور ؟ قلت : يمكن أن يقال أن الرد إلى أسفل سافلين هو الرد إلى حال ذهاب العقل وسقوط القوى ، وذهاب الحواس على وجه شديد بالغ إلى الغاية ، والغالب صيانة صالح العباد عن مثل ذلك ، واللطف هم عن البلوغ إلى هذه الغاية ، فيكون الاستثناء على هذا متصلا ، ويكون باعتبار الغالب ، وذلك مشاهد محسوس عناية من الله - عز وجل - بأهل الصلاح التام ، والهدى القويم . وقد ورد ما يدل على أن المراد في هذه الآية هو التفسير الذي ذهب إليه الجمهور ، فأخرج ابن جرير ( 2 ) ، وابن أبي حاتم ( 3 ) ، وابن مردويه ( 4 ) عن ابن عباس في قوله : { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } يقول : يرد

--> ( 1 ) عزاه ابن جريري " جامع البيان " ( 15 / ج 30 / 244 ) . ( 2 ) في جامع البيان ( 15 / ج 30 / 244 ) . ( 3 ) في تفسيره ( 10 / 3448 رقم 19409 ) . ( 4 ) عزاه إليه السيوطي في " الدر المنثور " ( 8 / 558 ) .