محمد بن علي الشوكاني
1259
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الحمد لله . الجواب اعلم أنه قد وجد في الخضر ( عليه السلام ) المقتضي للمجيء بنون العظمة ، لما تفضل الله به عليه من العطايا ( 1 ) العظيمة ، والمواهب الجسيمة التي من جملتها العلم الذي فضله الله به حتى أخبر موسى ( عليه السلام ) لما سأله : هل في الأرض أعلم منه ؟ . فقال : عبدنا خضر ، كما هو ثابت في الصحيح ( 2 ) . كان هذا وجها صبيحا ، ومسوغا صحيحا للمجيء بنون العظمة تارة ، وعدم المجيء بها أخرى . فقال : { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا } ( 3 ) . وقال : " فأردنا " ملاحظا في أحد الموضعين لما يستحقه من التعظيم ، تحدثا بنعم الله - سبحانه - عليه . وفي الموضع الآخر قاصدا للتواضع ، وأنه فرد من أفراد البشر ، غير ناظر إلى تلك المزايا التي اختصه الله - سبحانه - بها ، مع كون ذلك هو الصيغة التي هي الأصل في تكلم الفرد . ومع هذا . ففي تلوين العبارة نوع من الحسن أخر . وهو الافتنان في الكلام ، فإنه أحسن تطرية لنشاط السامع ، وأكثر إيقاظا كما قيل في نكتة الالتفات ( 4 ) .
--> ( 1 ) قال تعالى : { فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا } [ الكهف : 65 ] ( 2 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 74 ، 78 ) من حديث ابن عباس وأبي بن كعب " . . . . بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال : أتعلم أحدا أعلم منك ؟ قال موسى ، لا فأوحى الله عز وجل إلى موسى بلى ، عبدنا خضر . . " ( 3 ) قال الحافظ في الفتح ( 8 / 422 ) : وفيه حسن الأدب مع الله وأن لا يضاف إليه ما يستهجن لفظه وان كان الكل بتقديره وخلقه لقول الخضر عن السفينة { فأردت أن أعيبها } وعن الجدار { فأراد ربك } ومثل قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " والخير بيدك ، والشر ليس إليك " ( 4 ) الالتفات ، وهو نقل الكلام من أسلوب إلى أخر ، أعني من التكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى آخر منها بعد التعبير بالأول ، وهذا هو المشهور وقال السكاكي : إما ذلك أو التعبير بأحدهما فيما حقه التعبير بغيره . وله فوائد ، منها : تطرية الكلام ، وصيانة السمع عن الضجر والملل ، لما جبلت عليه النفوس من حب التينقلات ، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد هذه فائدته العامة والاقتصاد والإيجاز في التعبير ويختص كل موضع بنكت ولطائف باختلاف محله . والالتفات من الأساليب البلاغية ذات اللطائف النفيسة ويلقب الالتفات بشجاعة العربية . . . ومن أمثلته : أ - قال تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 30 ] . وهو حديث الله عز وجل عن نفسه بأسلوب الحديث عن الغائب . ب - وقوله تعالى : { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } [ الكوثر : 1 - 2 ) جاء الكلام أولا على طريقة التكلم ، { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ } ، ثم انتقل إلى أسلوب الحديث عن الغائب { فصك لربك } أولم يقل فصل لنا . ومن شروط الالتفات : 1 / يشترط قي الالتفات أن يكون الضمير المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى المتنقل عنه . 2 / شرطه أن يكون قي جملتين . وللالتفات صبور ست ذكرها " الميداني " في البلاغة العربية ( 1 / 484 ) . وانظر : " معترك الأقران في إعجاز القران " ( 1 / 290 - 292 )